منذ أن كتب توفيق الحكيم عن الصراصير وهى تحوم حوله فى الغرفة فى ألفة وبدون كلفة، بدا وكأنه لا يكتب عن حشرة صغيرة بقدر ما كان يفتح نافذة على معنى أعمق للوجود الإنسانى. لم يكن اهتمامه بالحشرات عبثاً، وربما كما قال، كان فى دمه عِرق حى من قدماء المصريين الذين جمعوا بين الإنسان والحشرة فى تمثال واحد، رأس جعران وجسد آدمى، فى إشارة رمزية إلى وحدة المصير بين الكائنين. فى «مصير صرصار» لم يكن المشهد مجرد صرصار يكافح للخروج من حوض الحمام، بل كان صورة مكثفة للإصرار على كفاح يبدو بلا أمل، لكنه فى جوهره تعبير عن معنى التراجيديا كما فهمها الحكيم.
>>>
الحكيم لم يُرِد لمسرحيته أن تُحبس فى قفص المأساة أو الملهاة، بل أن تبقى مسرحية وكفى. ومع ذلك، كان يرى أن جوهر التراجيديا ليس فى الحزن ولا فى الكوارث ولا حتى فى موت البطل، بل فى أن تكون النهاية نتيجة صراع مع قوة لا قِبَل له بها. بهذا المعنى، يصبح الصرصار بطلاً تراجيدياً، لا لأنه يموت، بل لأنه يواجه قوة أكبر منه بإصرار عبثى لكنه نبيل. كانت هذه الرؤية متقدمة على زمنها، وربما كانت قراءة مبكرة لما سيشهده العالم لاحقاً من صراعات غير متكافئة، حيث يقف الفرد أو حتى الدولة فى مواجهة قوى عاتية لا تُرى بالعين المجردة.
>>>
حين كتب الحكيم روايته عام 1966، لجأ إلى الترميز، إلى الاختباء خلف صرصار أو حمار أو نملة، كما كان شائعاً فى زمن ضاقت فيه مساحات التعبير المباشر. لم يكن ذلك ضعفاً، بل ذكاءً فنياً. الغابة التى رسمها لم تكن مجرد فضاء خيالي، بل مسرحاً يمكن أن تُستبدل فيه الشخصيات الحيوانية بشخصيات بشرية دون أن يفقد النص معناه. كان القارئ يفهم، ويبتسم، وربما يتألم، وهو يدرك أن ما يقرؤه ليس عن صرصار حقيقى، بل عن إنسان عالق فى حوض أكبر منه.
>>>
اليوم، وبعد ما يقرب من ستة عقود، يبدو الواقع وكأنه تجاوز خيال الحكيم. العالم الذى نعيشه لا يشبه أى نموذج سابق فى كتب التاريخ. بحثنا عن شبيه له فلم نجد. حروب بلا نهاية واضحة، تحالفات تتبدل بين ليلة وضحاها، اقتصاد عالمى يهتز مع كل قرار، وإعلام يتحول أحياناً إلى ساحة صراخ لا تحكمه معايير مهنية أو أخلاقية. المنطق يبتعد عن المعادلة، والقانون ينزوي، والقيم تبدو كأنها رفاهية قديمة فى عالم تحكمه المصالح المجردة.
>>>
فى هذه الفوضى، يتحول العالم إلى ما يشبه الغابة التى كان الحكيم يلمّح إليها. غابة لها سياستها، واقتصادها، وثقافتها، وإعلامها. تخيّل سياسة بلا أخلاق، واقتصاداً بلا ضوابط، وإعلاماً بلا معايير، وصحافة لا ترى فى الحقيقة إلا مادة للاستغلال. عندها يصبح الصرصار الذى يكافح فى حوض الحمام صورة أقل عبثية مما نعيشه. فالكفاح لم يعد فردياً، بل جماعياً، والخصم لم يعد واضح المعالم، بل شبكة مصالح معقدة تتقاطع فيها السلطة بالمال بالإعلام.
>>>
حتى الفضائح الكبرى التى تهزّ الرأى العام العالمى، مثل فضيحة إبستين التى كشفت عن تداخل السلطة والمال والنفوذ فى دوائر مغلقة، تمرّ أحياناً كأنها مشهد عابر فى مسرحية طويلة، دون أن تُحدث الزلزال الأخلاقى الذى يُفترض أن تُحدثه. وكأن العالم تعوّد على الصدمة، أو فقد القدرة على الدهشة. هنا تحديداً نفهم لماذا تبدو العودة إلى عالم الحكيم ملاذاً آمناً؛ لأنه كان يقول الحقيقة عبر الرمز، ويكشف العطب من خلال حشرة صغيرة.
>>>
قول الحقيقة عارية فى زمن كهذا قد يبدو فعلاً صادماً، بل وربما مرفوضاً. الحقيقة المجردة تفضح الباطل، وتهتك ستره، وتضع الأصابع على جراح لا يريد أحد الاقتراب منها. لذلك يصبح الرمز ضرورة، لا ترفاً. نصير بحاجة إلى صراصير الحكيم لنقول ما لا يُقال، وإلى حماره لنسأل الأسئلة التى يخشاها الجميع. الأدب هنا لا يهرب من الواقع، بل يعيد صياغته فى صورة يمكن احتمالها.
>>>
كلما عدت إلى «مصير صرصار» خرجت منها بلآلئ جديدة. أكتشف أن الصرصار ليس مجرد كائن ضعيف، بل مرآة لإنسان العصر الحديث، العالق بين قوى أكبر منه، يحاول أن يجد موطئ قدم فى عالم يميل أرضه كل لحظة. وأدرك أن التراجيديا ليست فى السقوط، بل فى الإصرار على المقاومة رغم معرفة النهاية.
>>>
ربما لم يكن الحكيم يعلم أن صراصيره ستعود بعد ستين عاماً لتصبح أكثر واقعية من أى وقت مضي. لكن المؤكد أن الأدب الحقيقى لا يشيخ، لأنه يكتب الإنسان فى كل زمان. وفى عالم يزداد تعقيداً وغموضاً، تبقى صراصير الحكيم تذكيراً بأن الكفاح، حتى لو بدا بلا أمل، هو ما يمنح الوجود.









