عند تصفح الأخبار الآن، ويأتى عنوانٌ عن فضيحة «إبستين» يمر الامر وكأنه طبيعي، مثله مثل خبر عن الطقس أو سعر الدولار..ولكننى توقفتُ، وقمتُ بحساب بسيط: كم مرة سمعنا فى حياتنا خطاباتٍ عن حماية الأطفال، وكرامة المرأة، ومحاكمة المجرمين، حتى من أفواه أولئك الذين وقفوا على منابر تُبث للعالم أجمع؟ ثم سألتُ نفسي: كم مرة رأينا ذات الأفواه تُغلق فجأة، أو تنزلق كلماتها بلباقة شديدة، عندما كان الحديث يدور حول شبكة «جيفرى إبستين» ومن كانوا يزورون «جزيرة الموتي» الخاصة به؟
فى تلك اللحظة، أدركتُ أننا لسنا أمام فضيحة عادية.. إننا أمام أدلة مادية على أكبر عملية انفصامٍ نفسى جماعى يشهدها العصر الحديث، إنها حالة لا يمكن لطبيب نفسى أن يشخصها، لأنها ليست حالة فرد، بل هى حالة خطابٍ كاملٍ يُدّعى الإنسانية، بينما قلبه ينبض بميكانيكا القوة والسيطرة. تخيّل أن تذهب إلى طبيب الأسنان وهو يُلقى محاضرة عن نظافة الفم، ثم تكتشف أن جميع معداته صدئة ومليئة بالجراثيم، لكنه يصر على أنها أفضل ما يكون!
هنا تسيطر ازدواجية اللغة.. لا الافعال فقط.. دعنى أشرحها بطريقة أخرى، تخيل عالمًا مُقسَّمًا إلى طابقين، فى الطابق العلوى، العلنى، المضاء بأنوار كاميرات التلفزيون، هناك مسرح كبير على خشبته، يلقى السياسيون والمشاهير خطاباتٍ مؤثرة عن حقوق الإنسان، ويضعون قوانين تحمى «الضعفاء»، ويرتدون بذلاتٍ أنيقة ووجوهاً حزينة عند الحديث عن ضحايا العنف، إنه عالم سلس، مصقول، معقّم، كل كلمة فيه محسوبة، كل حركة تُراجع، والشعارات تطير فى الهواء كالفراشات الجميلة.
لكن هذا العالم له سِرْداب.. سرداب مظلم، مساحته أكبر من المسرح العلوى بكثير، ولا يدخله إلا من يحمل «بطاقة خاصة»، فى هذا السرداب، لا قيمة لتلك الخطابات. بل إنها تُعتبر نوعًا من «التمويه الضروري»، فيه يتم التفاوض على صفقاتٍ أخري.. صفقات التجارة، صفقات السلاح، صفقات النفوذ، وهنا أيضًا، تتحول تلك «الضحايا» التى تُذكر على المنصة العلوية إلى عملة، أو إلى أدوات لمتعة الأقوياء، الفجوة بين الطابقين ليست سلمًا، إنها هوة سحيقة، يعبرها الأقوياء بمصاعد خاصة، بينما يُرمى الضعفاء فيها ليهووا إلى القاع، المأساة الحقيقية ليست فى وجود هذا السرداب المظلم؛ المأساة تكمن فى أن سكان الطابق العلوى ينتقدون بشدة الدول الأخرى لأنها لا تملك مسرحًا جميلًا مثل مسرحهم، بينما ينسون تمامًا، أو يتجاهلون، السرداب الذى يحملون مفتاحه فى جيوبهم.
الدرس المستفاد هنا، والذى يبدو وكأنه مأخوذ من دليل للكتابة الساخرة: «الحقوق تصبح خطابًا ناجحًا عندما تكون الضحية بعيدةً، أو مختلفةً، أو مجهولة الهوية»، من السهل جدًا أن تتحدث بحماس عن حقوق الطفل فى بلدٍ إفريقى بعيد، أو عن حرية التعبير فى دولة معادية، هنا.. يكون الخطاب رخيصًا، ويزيد من رصيدك الأخلاقى دون أى تكلفة حقيقية.. بل إنه قد يكون جزءًا من صفقة أكبر.
الحقيقة التى يجب أن نتعايش معها هي: احذر دائمًا من أولئك الذين يتحدثون كثيرًا جدًا، وبصوت عالٍ جدًا، وبكلمات مثالية جدًا عن الفضيلة، لأنهم فى كثير من الأحيان، هم من يمتلكون أكبر عدد من المفاتيح لأقبية الظلام، ولا عيب فى أن تحمى نفسك وتفكر عشر مرات قبل أن تصدق فراشة الشعارات التى تحلق فى سماء الخطاب، فقد تكون مصنوعة من ورق، وتخفى خلفها إبرة حادة.









