أحــدث أزمــات العـــالم حاليا، هى أزمة انتهاء اتفاقية «نيو ستارت» الخاصة بخفض الأسلحة النووية الإستراتيجية بين أمريكا وروسيا واحتمالات عودة سباق التسلح بين الجانبين، لتضاف هذه الأزمة إلى سجل الأزمات التى يعانى منها العالم خلال السنوات الأخيرة، بداية من مواصلة الحرب «الروسية- الأوكرانية»، ومرورا بالآثار السلبية المترتبة على عدم التزام إسرائيل باتفاقية شرم الشيخ لوقف اطلاق النار فى غزة ومحاولتها السيطرة على الضفة الغربية وتصفية القضية الفلسطينية، كذلك التوترات الحاصلة فى البحر الأحمر ومحاولات إسرائيل إثارة المشاكل فى منطقة القرن الأفريقى سواء بالاعتراف بما تسمى دولة أرض الصومال أو بتشجيع إثيوبيا على امتلاك ميناء بحرى لاستخدامه فى أغراض عسكرية فى المستقبل، هذه الأزمات إلى جانب الصراعات القائمة بالفعل فى السودان واليمن وليبيا، إضافة إلى الحرب الأمريكية المحتملة ضد إيران، كل ذلك يعنى أن عدم استقرار المنطقة واضطراب العالم مستمران معنا لسنوات أخرى قادمة.
>>>
هذه الصور المتتالية ليس الغرض منها فرض حالة من القلق والتشاؤم ولكن الهدف الحقيقى هو أن نفكر فى أحوالنا وأن نتدبر احتياجاتنا فى ظل هذه الأزمات الإقليمية والدولية المعقدة والتى تزداد تأثيراتها السلبية يوما بعد يوم بسبب غياب دور منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وفى ظل نظام عالمى يبدو أنه أحادى القطبية بينما واقع الحال يؤكد أنه نظام متعدد القوى وأن «حق البقاء والمراوغة فيه» للقوى ومن يملك السلاح والعتاد، والدليل على ذلك هذه النغمة المتناقضة بين أمريكا وروسيا فى التعامل مع حرب الأخيرة ضد أوكرانيا، فقد تخلت واشنطن فى عهد الرئيس دونالد ترامب عن تهديد ووعيد روسيا ولجأت إلى لغة أخرى تستهدف التوصل لاتفاق ينهى النزاع بحلول يونيو 2026، وبالنسبة لانتهاء اتفاقية «نيو ستارت» فقد أكدت تقارير أن واشنطن تفضل توقيع اتفاقية نووية جديدة تشمل الصين إلى جانب أمريكا وروسيا، فى إشارة إلى أن الصين أصبحت قوة عسكرية ونووية لا يستهان بها وأن تحقيق الأمان النووى فى العالم لن يحدث بدون اتفاق مع بكين.
>>>
نفس هذه المرواغات السياسية تستخدم حاليا فى التعامل مع إيران وقدراتها التسليحية والنووية، ففى وقت حشدت أمريكا فيه حاملات الطائرات والسفن والبوارج البحرية فى المحيط الهندى والخليج العربي، لشن حرب ضد إيران ومنعها من مواصلة برنامجها النووى، نجحت التدخلات الدبلوماسية التى تقودها مصر فى تخفيض التصعيد والقبول بمبدأ التفاوض ثم نجاج الجولة الأولى من المفاوضات بين الجانبين الأمريكى والإيرانى وخروج تصريحات من طهران تشير إلى التوصل إلى نتائج إيجابية يمكن البناء عليها، غير أن هذه التصريحات أغضبت إسرائيل وأعلنت حكومتها أن «أى اتفاق مع النظام الإيرانى الحالى لا قيمة له»، فيما سارع رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بالتوجه إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكى وإفساد المفاوضات الجارية مع إيران والعمل على توريط واشنطن فى شن حرب ضد طهران وإشعال المنطقة بمزيد من الصراعات.
>>>
اللافت فى السلوك الإسرائيلى الأخير ملاحظتين فى غاية الأهمية، الملاحظة الأولى هي: أن لقاء «ترامب- نتنياهو» وحسب التقارير الواردة كان مقرر له ان يعقد يوم 19 فبراير الجارى للمشاركة فى إعلان «مجلس السلام بغزة، غير ان نتنياهو استبق هذا التاريخ بلقاء منفرد مع ترامب واقناعه بأن يتضمن أى اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران منع الأخيرة من مواصلة برنامجها الصاروخى ووقف دعمها لأذرعها العسكرية فى المنطقة، كما تبرز الملاحظة الثانية فى أنه بعد التصريحات القادمة من عمان بخفض التصعيد بين واشنطن وطهران رفض الجيش الإسرائيلى خفض حدة الاستعدادات والجاهزية لاحتمال حرب قريبة، وأكد أنه فى حال عدم مشاركة أمريكا فى توجيه ضربة لإيران فإن إسرائيل ستوجه بمفردها هجوما لبرنامج الصواريخ الإيراني.
وحقيقة فإن هذه التطورات تكشف إلى حد بعيد عدم اكتراث إسرائيل بتحقيق السلام فى غزة أو الأراضى الفلسطينية فى ظل «سيولة» النظام العالمى الحالى وما يعانى منه من عدم وضوح الرؤية، بما يساعد إسرائيل على التغول على القانون الدولى وكل الأعراف السياسية، وبما يساهم فى تنفيذ المخططات الصهيونية والاستعمارية.
>>>
على الجانب الآخر، فقد تسببت الزيارة التى قام بها الرئيس التركى رجب طيب أردوغان إلى القاهرة ولقائه بالرئيس عبدالفتاح السيسى، الأسبوع الماضي، فى إزعاج كبير لإسرائيل خاصة بعد الكشف عن طبيعة الاتفاقات التى تم توقيعها بما فيها اتفاقية التعاون الدفاعى بين البلدين فخلال المناقشات السرية فى لجنة الشئون الخارجية والدفاع بالكنيست، قال رئيس الوزراء الإسرائيلى إن «قوة الجيش المصرى تتعاظم ولابد من مراقبة الأمر» أيضا فقد حذرت لجنة «الأمنيين» التى تضم قادة أمنيين سابقين فى جيش الاحتلال من التقارب التركي- المصري، وقالت: إن «على إسرائيل الاستعداد خلال السنوات المقبلة لمواجهة عسكرية متزامنة مع الدولتين».
>>>
هكذا تفكر وتخطط إسرائيل، وهكذا هى الأوضاع المضطربة فى المنطقة والعالم، والتى تتطلب منا المزيد من الانتباه والوعي.. والحرص كل الحرص على استقرار بلدنا ووقوة جيشنا الوطنى العظيم.









