كشف البيت الأبيض الأمريكى يوم السبت الماضى عن أن الرئيس ترامب يخطط لعقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الذى يحمل اسمه وذلك يوم الخميس التاسع عشر من فبراير الحالى أى الخميس القادم.
ويوم الثلاثاء الماضى نشرت الصحف التى تابعت الخبر أن عددا من قادة الدول الأعضاء فى المجلس وقادة آخرين لم ينضموا لعضوية المجلس تلقوا دعوات رسمية من الرئيس الأمريكى لحضور هذا الاجتماع الذى سيعقد برئاسته بوصفه وشخصه باعتباره صاحب فكرةإنشاء هذا المجلس والتى تضمنتها خطته لإنهاء الحرب فى غزة وإعادة إعمارها وإحلال السلام فى الشرق الأوسط.
وقد أشرت فى مقال سابق إلى أن الرئيس ترامب عرض خطته هذه على مجلس الأمن الدولى التابع للأمم المتحدة وصدر بها قرار من المجلس فى بداية شهر أكتوبر الماضى لتكتسب ومن داخلها مجلس السلام الشرعية الدولية لتصبح جاهزة للتنفيذ رغم ما أثارته من جدل حول ما ورد وما لم يرد من أفكار ضمن بنودها العشرين.
وفى احتفال كبير أقيم خلال الانعقاد السنوى لمنتدى «دافوس» الاقتصادى العالمى وبحضور الرئيس ترامب وقادة العديد من دول الشرق الأوسط ومناطق العالم الأخرى تم إشهار إنشاء المجلس وتوقيع ميثاقه المحدد لأهدافه والمنظم لقواعد عمله وتألف من 8 صفحات وذلك يوم الثانى والعشرين من يناير الماضي.
وقد وقع على الميثاق قادة عشرين دولة مؤسسة للمجلس أو قبلت الدعوة للانضمام إليه بينها ثلاث عشرة دولة عربية وإسلامية تتقدمها مصر والسعودية وقطر والإمارات والبحرين والمغرب وتركيا وأذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان وباكستان وإندونيسيا وكوسوفو بالإضافة إلى سبع دول متنوعة هى المجر – بيلاروسيا – الأرجنتين – باراجواى – أرمينيا – فيتنام – وإسرائيل.
وأبرز ما يعكس تسجيله من ملاحظات وما لها من دلالات على هذا التشكيل ينحصر فى الآتي:
1 – غياب الدول الأربع الكبرى دائمة العضوية فى مجلس الأمن الدولى وصاحبة حق الفيتو رغم توجيه ترامب الدعوة لقادتها بالانضمام للمجلس وهى فرنسا وبريطانيا وروسيا والصين رغم أن الرئيس الأمريكى أعلن فى دافوس خلال توقيع الميثاق أن الرئيس الروسى بوتين قبل الدعوة للانضمام للمجلس وأنه لم يصدر من الكرملين بعدها تأكيد أو نفى لهذا الخبر بينما جاهر الرئيس الفرنسى ماكرون برفض الانضمام واشترط الاتحاد الأوروبى لموافقة الاتحاد للانضمام للمجلس التأكد من أن نشاطه سيقتصر على تنفيذ خطة وقف الحرب فى غزة وإعادة إعمار القطاع ولا يتطرق إلى قضايا أخري.
2 – ضم المجلس دول مجلس التعاون الخليجى عدا سلطنة عمان «؟»
3 – غياب أكبر دولتين داعمتين بقوة ومصداقية للقضية الفلسطينية: اسبانيا من أوروبا ورفضت الانضمام علنا وجنوب افريقيا من القارة الافريقية صاحبة مبادرة تقديم نتنياهو ووزير دفاعه للمحكمة الجنائية الدولية.. فلم يوجه الرئيس ترامب الدعوة لها للانضمام بالطبع.
4 – بغياب جنوب افريقيا غاب تمثيل القارة الافريقية كلها فى المجلس إلا من مصر والمغرب فى الشمال الافريقى بينما لم تنضم بقية دول الشمال العربية ليبيا – تونس – الجزائر – موريتانيا أو بقية الدول العربية الافريقية: السودان – جيبوتى – الصومال.
5 – وأخيرا.. المأساة الملهاة.. ضم إسرائيل لعضوية المجلس ليتربع مجرم حرب دولى مطلوب للعدالة الدولية على مقعد بالمجلس شأنه شأن قادة بقية قادة الدول العشرين بينما يداه ملوثتان بدماء مائة وأربعة وأربعين شهيدا ومصاباً من أبناء الشعب الفلسطينى من بداية حرب الإبادة الجماعية التى أطلقها فى غزة وحتى هذا الأسبوع فى عملية غسيل أيدى وغسيل سمعة وغسيل تاريخ أسود بشهادة العالم كله.
هذا فى الوقت الذى لم توجه الدعوة إلى السلطة الفلسطينية للانضمام للمجلس الذى من المفترض أنه إذا دعا المجرم المعتدى فعليه دعوة الضحية ودون ذلك لا أمل فى سلام حقيقى عادل ودائم.
ورغم توقيع ميثاق المجلس كما ذكرت فى الثانى والعشرين من يناير الماضى ففى حدود علمى ومتابعتى لم يتم نشر النص الرسمى له مذيلاً بتوقيعات قادة الدول الأعضاء حتى أن الرئيس الرومانى «نيكوسور دان» أعلن هذا الأسبوع أنه تلقى دعوة من الرئيس ترامب لحضور الاجتماع الأول للمجلس الخميس القادم رغم أن رومانيا ليست عضوا، وقال إن بلاده لم تحسم بعد قرارها بشأن المشاركة فى هذا الاجتماع وأن الأمر يتوقف على المناقشات مع شركائنا الأمريكيين حول صيغة الاجتماع بالنسبة للدول غير الأعضاء وفى حالة الانضمام لابد من مراجعة ميثاق المجلس.
لذلك فكل ما نشر عن الميثاق مأخوذ من مسودته لا من نصه الرسمى الموثق.
والتقط مما نشر مأخوذا عن مسودة الميثاق فى أكثر من موقع إخبارى عالمى معتمد هذه النصوص المتعلقة بدور الرئيس ترامب كرئيس للمجلس على النحو التالي:
> يتولى الرئيس ترامب أول «رئاسة» للمجلس ويكون له القرار فيمن تتم دعوتهم للانضمام إليه.
> لكل دولة فى المجلس صوت واحد وتتخذ القرارات بالأغلبية لكنها تبقى خاضعة لموافقة «الرئيس» لتصبح نافذة.
> مدة العضوية 3 سنوات من تاريخ دخول الميثاق حيز التنفيذ وقابلة للتجديد «بقرار من ترامب».
> يعقد المجلس اجتماعا تصويتيا واحدا على الأقل كل سنة وفى أى وقت وأى مكان يراه الرئيس مناسبا وتخضع أجندة الاجتماعات لموافقة «الرئيس».
> يرأس «ترامب» المجلس مدى الحياة حتى وإن لم يكن رئيسا للولايات المتحدة وله فى جميع الأوقات تعيين خلف له فى منصب الرئيس.
هذه البنود الستة «كاشفة» لطبيعة المجلس المعبرة تماما عن شخصية صاحب فكرته ومشروعه.
وإذا كان التحليل التاريخى الذى قدمته فى مقال الخميس الماضى عن الطرف المتسبب فى فشل الأمم المتحدة فى إنهاء الحروب فى العالم وإقرار السلام قد قادنا إلى الإشارة باصبع الاتهام إلى الولايات المتحدة كسبب رئيسى فى ظل جميع إداراتها الجمهورية و الديمقراطية المتعاقبة بهيمنتها على المنظمة الدولية وبمعاييرها المزدوجة وكأكثر الدول الخمس الكبرى فى مجلس الأمن استخداما لحق الفيتو لحماية إسرائيل والحيلولة دون إخضاعها لمعايير المحاسبة الدولية عن جرائمها.. فكأنما مجلس السلام هذا هو مشروع استنساخ لكل عيوب مجلس الأمن الدولي، بل وبانفراد أمريكا بالهيمنة عليه وحدها بعيدا عن ازعاج روسيا والصين وحتى بريطانيا وفرنسا.
بقيت ملاحظة أخيرة فما لا يعلمه ترامب أو يخبره به أحد أن مجلس السلام العالمى فكرة استحدثها الاتحاد السوفيتى فى ظل قيادته للمعسكر الشرقى الشيوعى خلال الحرب الباردة ولكنه كان مجلسا للشعوب واستخدمه الاتحاد السوفيتى كإحدى القوى السياسية الناعمة للتواصل مع الشعوب حديثة الاستقلال وعدم نضال الشعوب التى مازالت تكافح الامبريالية الغربية للحصول على حريتها وحقها فى الاستقلال وكان لهذا المجلس فرع فى كل دولة لها علاقات قوية مع المعسكر الشرقي.. وكان يرأس مجلس السلام فى مصر خالد محيى الدين مؤسس حزب التجمع وسكرتير عام المجلس الدكتور رفعت السعيد خليفته بعد ذلك فى قيادة المجلس والحزب وكان مقر المجلس بمبنى الحزب الوطنى على كورنيش النيل!!









