كثير من الناس يعتقد أن المرض مجرد خللٍ فى عضوٍ من الجسد، رغم أنه فى كثيرٍ من الأحيان ما يكون مرآةٌ لما يعتمل فى أعماق النفس من اضطرابٍ أو خوفٍ أو قلقٍ مكتوم، والإنسان فى صراعه مع العِلّة لا يواجه الألم الجسدى وحده، بل يخوض معركةً خفية مع أفكاره ومخاوفه وتصوراته وهواجسه عن الحياة والموت.
ومن هنا تبدو الحكمة التى أشار إليها د. مهاب مجاهد، استشارى الطب النفسى وعضو مجلس النواب، حين فرّق بين المرض والموت، مؤكداً أن لكلٍّ منهما سنّةً لا تختلط بالأخري، وأن الطب إنما يسعى لتحسين جودة الحياة لا لتمديد الآجال التى كتبها الله فى لوح القضاء.
فالموت قدرٌ محتوم، لا يقدمه مرضٌ ولا يؤخره علاج، وقد قرر القرآن هذه الحقيقة ببيانٍ قاطع حين قال تعالي:
«فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ»، وقال سبحانه: «أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ»، فالأعمار ليست رهينة العلل، بل هى مربوطة بحكمةٍ إلهيةٍ تتجاوز إدراك البشر.
أما الطب فهو جسرٌ يعبر بالإنسان من الألم إلى التخفف، ومن المعاناة إلى الطمأنينة، وهو بابٌ من أبواب الأخذ بالأسباب التى أمر بها الشرع والعقل معاً. وقد قال النبي: «تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء»، فالتداوى ليس منازعةً للقدر، بل هو استجابةٌ له، إذ إن الأخذ بالأسباب عين التوكل، أما تركها فصورةٌ من صور التواكل الذى يورث الضعف والوهن. وقد عبّر القرآن عن هذا الاتزان بقوله تعالي: «وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً»، فالتوكل لا يُلغِى السعى بل يمنحه معناه الصحيح.
ولا عجب والحال هكذا أن تكون النفس الإنسانية هى القائد الخفى للجسد، فإن استقرت هدأت وظائف الأعضاء وانتظمت، وإن اضطربت انعكس اضطرابها على البدن كله. لذلك لا يبدو غريباً أن كثيراً من الأمراض العضوية تبدأ شرارتها فى دهاليز النفس قبل أن تظهر أعراضها فى الجسد؛ فالقلق المستمر يرهق القلب، والخوف المزمن يضعف المناعة، والحزن العميق يثقل الروح حتى تنعكس وطأته على الجسد وهناً وتعباً. ولعل هذا ما أشار إليه القرآن حين ربط بين الضيق النفسى واضطراب الحياة بقوله تعالي: «وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا».
الإنسان المطمئن يعيش فى ظلال يقينٍ يخفف عنه وطأة الألم ويمنحه قدرةً عجيبة على الصبر والتكيف؛ فالطمأنينة ليست غياب المرض، بل حضور السكينة فى القلب رغم المرض. ومن هنا تتجلى عظمة قوله تعالي: «أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»، كما يمنح القرآن المريض جرعة أمل روحية حين يقول سبحانه: «لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ»، فالرجاء فى رحمة الله أحد أعمدة التعافى النفسى التى تمنع الإنسان من السقوط فى هوة اليأس.
وقد أدرك الشعراء هذه الحقيقة منذ قرون، فربطوا قوة النفس بقوة الحياة نفسها. يقول أبوالطيب المتنبي:
إذا غامَرْتَ فى شرفٍ مرومِ
فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ
فالطموح هنا ليس مجرد سعيٍ خارجي، بل هو انعكاس لقوةٍ نفسية تدفع الإنسان إلى تجاوز ضعفه ومخاوفه. ويقول الإمام الشافعى مشيراً إلى أثر الهموم فى إنهاك الجسد: دعِ الأيامَ تفعلُ ما تشاءُ
وطِبْ نفسًا إذا حكمَ القضاءُ
لا ريب أن صفاء النفس عند نزول البلاء ليس ضعفاً، بل هو أعلى درجات القوة الروحية التى تجعل الإنسان أكثر قدرةً على التعايش مع المرض دون أن يفقد توازنه أو أمله.
الشفاء فى جوهره رحلةٌ مشتركة بين الجسد والروح؛ الطبيب يعالج بالعلم والخبرة، والدواء يسهم فى إصلاح الخلل، لكن الشفاء الحقيقى يبقى سراً إلهياً خالصاً، كما قال تعالى على لسان نبيه إبراهيم عليه السلام: «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ». وهذه الحقيقة لا تنتقص من دور الطب، بل تضعه فى موضعه الصحيح باعتباره وسيلةً من وسائل الرحمة الإلهية التى سخرها الله لعباده. كما أن القرآن يربط بين الصبر والشفاء الروحى حين يقول تعالي: «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ»، لأن الصبر ليس تحمّل الألم فقط، بل هو القدرة على المحافظة على الاتزان النفسى فى قلب العاصفة.
وحين يدرك الإنسان أن عمره بيد الله، وأن المرض ابتلاءٌ لا عقوبة، وأن العلاج سعيٌ مشروع لا صراعٌ مع القدر، فإنه يتحرر من الخوف الذى ينهك الأعصاب ويضاعف المعاناة. عندها يعيش حياةً أكثر جودةً وهدوءاً، لأن الطمأنينة تمنحه القدرة على الاستمتاع بما بقى من صحته، وتجعله أكثر رضا بما يمر به من اختبارات الحياة. وقد لخص القرآن هذه الحالة النفسية الراقية بقوله تعالي: «مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ»، فالهداية هنا ليست علماً فحسب، بل سكينة تُسكب فى القلب فتجعله أكثر صلابة أمام الأزمات.
وهكذا يتبين أن معركة الإنسان مع المرض ليست معركة أدويةٍ وأجهزةٍ فحسب، بل هى معركة وعيٍ وإيمانٍ واتزانٍ نفسي؛ فالقلق يستهلك طاقة الجسد قبل أن يواجه المرض، بينما الثقة والسكينة تمنحان المريض قوةً خفيةً تعينه على المقاومة والتعافي، والإنسان القوى نفسياً ليس من يخلو من الألم، بل من يعرف كيف يعيش معه دون أن يسمح له أن يهزم روحه أو يطفئ نور الأمل فى قلبه.
غير أن السؤال الأهم يتجاوز المرض الفردى إلى المرض المجتمعي:
هل استلهمنا روح الدين فى صناعة الطمأنينة داخل وجدان أجيالنا الجديدة؟
وهل نجح خطابنا التربوى والدعوى فى غرس اليقين والسكينة فى قلوب أطفالنا وشبابنا، أم تركناهم فرائس لقلق العصر وضغوطه؟
وهل تحولت التكنولوجيا من أداة لبناء المعرفة وتنمية القدرات إلى وسيلة لإهدار الوقت واستنزاف الصحة النفسية؟
وهل نربى أبناءنا على التوازن بين العالم الرقمى والحياة الواقعية، أم نتركهم أسرى لعوالم افتراضية تصنع عزلةً نفسيةً قد تكون مدخلاً لأمراض العصر؟
وهل ندرك أن صناعة إنسان مطمئن نفسياً هى فى حقيقتها مشروع وطنى لا يقل أهمية عن بناء الطرق والمصانع، لأن الإنسان السليم روحياً هو القادر على بناء الحضارات وصناعة المستقبل؟









