لقد هلت نسائم الشهر الكريم، وتاقت النفوس إلى قدومه، حيث تفتّح أبواب الجنة، وتغلّق أبواب النار، فرمضان شهر الرحمة، وهو شهر القرآن، والصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما يوم القيامة، يقول نبينا الكريم «صلى الله عليه وسلم»: «الصيامُ والقرآنُ يشفعانِ للعبدِ يومَ القيامَةِ، يقولُ الصيامُ: أى ربِّ إِنَّى منعْتُهُ الطعامَ والشهواتِ بالنهارِ فشفِّعْنِى فيه، يقولُ القرآنُ ربِّ منعتُهُ النومَ بالليلِ فشفعنى فيه، فيَشْفَعانِ».
والقرآن الكريم كله نور، وهداية، ورحمة للعالمين، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن استمسك به هُدِيَ إلى صراط مستقيم، يقول نبينا «صلى الله عليه وسلم»: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ الله وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهو الكتاب المعجز الذى عجز العرب – وهم أهل الفصاحة والبيان – عن أن يأتوا بمثله، حيث يقول الحق سبحانه و تعالي: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا»، أو أن يأتوا بعشر سور من مثله، يقول عز وجل:»أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ»، أو أن يأتوا بسورة من مثله، يقول سبحانه: «وإِنْ كُنْتُمْ فِى رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ»، فعجزوا عن ذلك كله.
وقد لفت القرآن الكريم كتابُ الله المقروء أنظارنا بقوة إلى كتاب الكون المنظور، هذا الكون بما فيه من آيات دالة على قدرة الخالق جل وعلا، وهو جانب آخر من جوانب الإعجاز فى القرآن الكريم، حيث يقول سبحانه: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الْآفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»، ويقول سبحانه: «خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ»، ويقول سبحانه: «وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ الله الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ»، فمن الذى علَّم نبينا محمدًا «صلى الله عليه وسلم» منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان أن الجبال تمر مر السحاب، ولم يكن أحد على الإطلاق من أهل العلم قد تحدث عن حركة دوران الأرض حول نفسها أو حول الشمس؟ إنه الله عز وجل، ولا أحد سواه.
ويقول سبحانه: «وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ».
إن التأمل فى ملكوت الله عز وجل يزيد المؤمن إيمانًا بالله عز وجل، وقد دعانا سبحانه وتعالى إلى التفكر فى هذا الكون فقال سبحانه: «إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِى الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ».
فما أجمل أن نستقبل شهر القرآن بالتوبة والاستغفار، وتلاوة القرآن، وقيام الليل، وإطعام الطعام، والتوسعة على الفقراء والمحتاجين قبل قدوم الشهر الفضيل.









