في طرح فكري واستراتيجي شامل أمام “المؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم” بموريتانيا، برئاسة العلامة عبد الله بن بيه، وتحت رعاية فخامة رئيس الجمهورية الموريتانية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، والمنعقد في العاصمة نواكشوط؛ دعا الدكتور محمد عثمان الخشت، المفكر العربي ورئيس جامعة القاهرة السابق، إلى تبني مقاربة تربوية وفلسفية جديدة في القارة الإفريقية أطلق عليها المؤتمر “بيداغوجيا الأمل”. وأكد الخشت أن معالجة النزاعات المسلحة والأزمات السياسية لا يمكن أن تنجح دون تفكيك البنية العقلية لليأس، واستبدال “ثقافة الموت” التي تروج لها جماعات التطرف بـ “غريزة الحياة” والبناء.
جاء ذلك خلال ترؤسه الجلسة الخامسة للمؤتمر بعنوان: “بيداغوجيا الأمل: غراس التربية وحصاد المستقبل”، بحضور نخبة من العلماء وصناع القرار الأفارقة.
وشدد الدكتور الخشت في ورقته على قاعدة جوهرية مفادها أن: “العقل يرسم الرؤية، والسياسة تحدد الهدف، لكن التربية هي الأداة الأهم لتحقيق ذلك؛ لأنها هي التي تصنع العقول”. وأشار إلى أن الأمل في السياق الإفريقي المثقل بالجراح ليس ترفاً عاطفياً، بل هو “كفاءة معرفية وأخلاقية شاقة” وضرورة وجودية لوقف نزيف القارة.
وحدد الدكتور محمد الخشت أربعة أركان عملية لما أسماه المؤتمر “بيداغوجيا الأمل”، وهي:
- مهارات التفكير النقدي: لخلق “مناعة ذهنية” ضد فيروسات الاستقطاب.
- التربية المدنية: لترسيخ قواعد العيش المشترك والمواطنة المتكافئة.
- تقنيات إدارة النزاع: لتحويل الاختلاف من اقتتال عبثي إلى مساحات للتفاوض العقلاني وفن التسويات العاقلة.
- التعليم من أجل التنمية: لإعادة الاعتبار للاقتصاد والعمران كشرط مادي لاستدامة السلام.
وعلى المستوى السياسي، حذر الدكتور محمد الخشت من خطورة إدارة الخلافات في إفريقيا بمنطق “المباراة الصفرية” (Zero-Sum Game)، حيث يعتقد كل طرف أن بقاءه مرهون بفناء الآخر. وطرح بدلاً من ذلك “النموذج المعرفي للسفينة” المستلهم من الحديث النبوي الشريف، كأصل سياسي واجتماعي لمفهوم الأمن الجماعي الذي يعمل عليه “المؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم”.
وأوضح الدكتور الخشت أن هذا النموذج يفرض “وحدة المصير”، حيث إن خرق السفينة في الأسفل يعني غرق من في الأعلى أيضاً؛ معتبراً أن “التنازل السياسي” في هذا السياق ليس هزيمة، بل هو “استثمار في النجاة”، وأن الانتقال من عقلية “أنا أو الفوضى” إلى عقلية “نحن والنجاة” هو الشرط الشارط لتحويل الأمل إلى واقع.
واستدعى الدكتور محمد الخشت في ورقته مفاهيم المربي البرازيلي “باولو فريري” والفيلسوف الألماني “إرنست بلوخ”، محذراً مما أسماه “التعليم البنكي للكراهية”، حيث تقوم جماعات التطرف و”سماسرة الفوضى” بحشو عقول الشباب بسرديات المظلومية واليأس.
وطالب الدكتور الخشت بضرورة “عقلنة الأمل” وتحويله إلى سياسات تعليمية عامة قابلة للقياس والتقييم، وإعطاء الأولوية للشباب لحمايتهم من الهجرة غير النظامية أو الانزلاق نحو التطرف، وإعادة الاعتبار للمعلم بوصفه فاعلاً مركزياً في صناعة السلم، والانتقال من ثقافة التلقين إلى ثقافة السؤال النقدي.
وأكد الدكتور الخشت في ختام كلمته أن «اليأس خيانة، والأمل عمل ونضال»، مشدداً على أن صناعة المستقبل تمر عبر المدرسة والجامعة، حيث «السلام يبدأ من العقول».















