تحتفل مملكة البحرين في الرابع عشر من فبراير الجاري بمرور 24 عاماً على صدور دستورها المعدل لعام 2002؛ ذلك الدستور الذي شكّل نقطة تحول فارقة في مسيرة الدولة الحديثة، وأرسى دعائم مرحلة جديدة من العمل الوطني القائم على المشاركة الشعبية وترسيخ دولة المؤسسات والقانون. وتأتي هذه المناسبة الوطنية في سياق استحضار المنجزات التي تحققت، واستشراف آفاق أوسع من التطوير والبناء، استناداً إلى وثيقة دستورية مثّلت الركيزة الثانية — بعد ميثاق العمل الوطني — في صياغة المشروع الإصلاحي الشامل الذي يقوده الملك حمد بن عيسى آل خليفة.
لقد جاء دستور 2002 تتويجاً لإرادة شعبية واسعة تجلّت في الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني عام 2001، الذي حظي بنسبة تأييد تاريخية بلغت 98.4%، وبنسبة مشاركة وصلت إلى 90.3% ممن لهم حق التصويت؛ وهو ما عكس حالة من التوافق الوطني غير المسبوق حول ملامح المرحلة المقبلة، ورسّخ مفهوم العقد الاجتماعي بين القيادة والشعب بوصفه الأساس الذي تقوم عليه عملية الإصلاح السياسي والتحديث المؤسسي.
وانطلاقاً من هذا الإجماع، صدر مرسوم ملكي بتشكيل لجنة لتفعيل ميثاق العمل الوطني برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد؛ لتتولى مراجعة التشريعات الوطنية واقتراح التعديلات اللازمة لتطبيق مبادئ الميثاق. وبعد عمل دؤوب استمر قرابة عام، صدر الدستور المعدل في 14 فبراير 2002، معلناً تحول البحرين من إمارة إلى مملكة دستورية، ومكرّساً مرحلة جديدة من التحول الديمقراطي والتطوير الشامل.
وقد حمل الدستور المعدل في طياته جملة من المبادئ الأساسية التي عززت بنية الدولة الحديثة، وفي مقدمتها تكريس مبدأ الفصل بين السلطات، وترسيخ استقلال القضاء، وتعزيز صلاحيات السلطة التشريعية بغرفتيها، فضلاً عن صون الحقوق والحريات العامة وفق إطار دستوري واضح ومتوازن. ومن أبرز ما شهده هذا التحول دخول البحرين مجال القضاء الدستوري المتخصص بإنشاء المحكمة الدستورية عام 2002، لتضطلع بمهمة الرقابة على دستورية القوانين واللوائح، بما يعزز ضمانات المشروعية وسيادة القانون.
ولم تقتصر آثار الدستور على الجوانب المؤسسية فحسب، بل امتدت إلى تمكين فئات المجتمع المختلفة، وفي مقدمتها المرأة البحرينية التي حصلت بموجب النصوص الدستورية على حقها الكامل في المشاركة السياسية تصويتاً وترشحاً؛ وقد أثمر ذلك حضوراً فاعلاً للمرأة في البرلمان وفي مواقع صنع القرار، بما يعكس تطوراً نوعياً في بنية الحياة السياسية والاجتماعية في المملكة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، وفّر الإطار الدستوري مناخاً من الاستقرار والثقة ساهم في دعم مسيرة التنمية، وتعزيز جاذبية البحرين للاستثمارات، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة في إدارة الشأن العام. كما عزز الدستور دور المؤسسات الرقابية، وأرسى قواعد واضحة لتنظيم العلاقة بين الدولة والمواطن بما يضمن التوازن بين الحقوق والواجبات.
إن الاحتفاء بمرور 24 عاماً على صدور دستور البحرين ليس مجرد استعادة لذكرى تاريخية، بل هو تأكيد على مسار إصلاحي متواصل استطاع أن يوازن بين الأصالة والتحديث، وبين الخصوصية الوطنية والانفتاح على التجارب العالمية؛ فقد شكّل الدستور إطاراً ناظماً للعلاقة بين السلطات، وضامناً للحقوق، ومحفزاً للتنمية، ومرجعية عليا تستند إليها مؤسسات الدولة في أداء أدوارها.
ومع استمرار التحديات الإقليمية والدولية، يظل البناء الدستوري الصلب أحد أهم عناصر القوة والاستقرار، بما يمكّن المملكة من مواصلة مسيرة التنمية، وتعزيز مكانتها في محيطها الخليجي والعربي والدولي. ومن ثم، فإن ذكرى إقرار الدستور تمثل محطة للتقييم والتطوير، وفرصة لتجديد الالتزام بالمبادئ التي أرساها، والعمل على تعميقها بما يخدم حاضر البحرين ومستقبلها.
وتظل التجربة الدستورية البحرينية نموذجاً في التطور المتدرج القائم على التوافق الوطني، ورؤية استراتيجية تستشرف المستقبل، مستندة إلى قاعدة صلبة من الشرعية الشعبية والمؤسسية، في مسار يؤكد أن الدستور ليس نصاً جامداً، بل وثيقة حية تتجدد بروح الأمة وتطلعاتها نحو مزيد من التقدم والاستقرار والازدهار.









