وحدث ما كنا نخشاه.. والله يستر.. فنحن نتعايش الآن مع بدء الاستخدام السيئ للذكاء الرقمي. وبدأنا نستغل القدرات الهائلة لهذا الإنجاز العلمى فى أمور لا فائدة منها، بل قد تكون ضارة. أرى الآن من يستخدم الذكاء الرقمى لصناعة الوهم والخيال، بهدف بلبلة الأفكار وتشتيت الأذهان، وإشغالنا عن أمور حياتنا الحقيقية.
«الشيخ زياد يونس الربيعي» واحد من هذه المهازل التى ظهرت مؤخراً على الساحة. شخصية وهمية صاغتها إحدى المنصات، وبدأت الترويج لها كشخصية حقيقية، مستخدمة تقنيات الذكاء الرقمى لتأكيد وجودها عبر تصريحات منسوبة لكبار الشخصيات، وأخبار مفبركة تتكرر وتتصاعد.
ابتدعوا إنسانا عربيا يعيش فى الصحراء فى مملكته الخاصة بين مصر وليبيا، فى الخمسين من عمره، واسع الحكمة والمعرفة فى شئون العرب، يلجأ إليه رؤساء الدول طلبا للنصيحة والمشورة. ويتم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى لتأكيد هذه الخرافة عبر صور ومقاطع مفبركة لرؤساء وشخصيات عامة، لتبدو الأكاذيب وكأنها حقائق.
لقد خدعت أنا شخصيا لوهلة، حين رأيت مقطعا لرئيس دولة متجها لزيارة الشيخ زياد يونس، ورئيس أخر وهو يحييه ويثنى على علمه وحكمته فى احدى خطبه، وثالث وهو يسترشد برأيه قبل إصدار بعض القرارات. مما دفعنى الى البحث: من يكون هذا الرجل؟ وأين يعيش؟ وأعترف أن سؤالى فى البداية لم يكن: هل هو موجود أصلا؟ بل كان: من هو وأين هو؟ وكأنى وقد اقتنعت بوجوده تماما.. وهذا ما أزعجنى حقا. لقد خدعت.. وهم نجحوا فى خداعي. وقد ينجحون فى خداع كثيرين غيري.
قد يرى البعض أن الأمر مجرد مزحة، لكننى أراه بالغ الخطورة. لحظات الوهم التى عشتها لم تكن «مقلبا» عابرا، مثل مشاهد الكاميرا الخفية الساذجة التى تقوم على استفزاز الناس والضحك عليهم، والتى أعتبرها شخصيا جريمة أخلاقية فى حق الناس يجب أن تمنع.
هذا التوجه الشرير لصناعة الأكاذيب وبث اللغو وتشتيت الوعي، بدايته الإنسان وليس الذكاء الاصطناعي. الإنسان هو من يطلق الشرارة، وهو من يقرر الهدف، ثم يستعين بقدرات الذكاء الاصطناعى لتجسيد الفكرة وتضخيمها، وإضافة تقنيات تعزز الإقناع. بعد ذلك تأتى وسائل التواصل لتنتشر القصة كالنار فى الهشيم.
الذكاء الاصطناعى لا يخترع الشر من تلقاء نفسه، ولا يملك إرادة أو مبادرة ذاتية. لأنه مازال والحمد لله يحتاج دائما إلى إنسان يضغط الزر الأول. لكن بعد تلك الضغطة، تنتشر النار بسرعة هائلة.
التحدى الحقيقى الذى نواجهه اليوم هو الإنسان نفسه، وليس الذكاء الاصطناعي. الإنسان هو الذى كان بالأمس ينقل الشائعات بالكلام.. واليوم يتطور لينشرها من خلال منصات رقمية هو مخترعها.. ولكنها اليوم تنتشر بصورة مزعجة.. أكثر انتشارا وأكثر إتقانا.. لتبعث القلق والبلبلة والشكوك فى النفوس حتى أصبحنا ننظر الى الكثير مما نسمعه بعين الشك والحيرة وعدم اليقين.
ونحمد الله أن المشكلة – حتى الآن – مازالت كامنة فى نزعات الشر داخل البشر، وليست من صفات الذكاء الاصطناعى ذاته. لأنه إذا جاء يوم وانقلب السحر على الساحر، فلن يكون الحديث وقتها عن خبرٍ كاذب.. بل عن إنسانٍ فقد السيطرة على ما صنعه بيديه.. ويومه قل «عليه العوض ومنه العوض».
وأنا أرى انه يوم قادم لا ريب فيه.. طالما تعيش نزعات الشر داخل نفوس البشر..









