فى خطوة لم تعد تحتمل التأويل، كشفت الحكومة الإسرائيلية عن وجهها الأكثر تطرفاً، معلنةً عبر قرارات «الكابينت» الأخيرة عن حرب قانونية وإجرائية تهدف إلى تقويض ما تبقى من حلم الدولة الفلسطينية. إن ما يحدث الآن فى الضفة الغربية ليس مجرد توسع استيطانى تقليدي، بل هو «ضم فعلي» متسارع يجرى تحت غطاء من القوانين العنصرية التى تستهدف محو الملكية الفلسطينية التاريخية للأرض.
لقد تجاوز الثنائى المتطرف، يسرائيل كاتس وبتسلئيل سموتريتش، كل الخطوط الحمراء بإقرار تغييرات «دراماتيكية» فى سجلات الأراضي. فإلغاء القيود القانونية التى كانت تمنع الأجانب «والمستوطنين» من شراء الأراضى مباشرة، ورفع السرية عن سجلات الملاك، ليس إلا وسيلة لفتح الباب أمام ضغوط غير مسبوقة على الملاك الفلسطينيين وإغراق المنطقة بشركات استيطانية وصفقات مشبوهة.
هذه الإجراءات تلغى «قانوناً أردنياً» صمد لعقود، كان يضع عقبات بيروقراطية أمام السيطرة المباشرة على الأرض. اليوم، وباسم «المساواة» المزعومة للمستوطنين، تمنح إسرائيل الضوء الأخضر لتمزيق النسيج الجغرافى للضفة، وتحويلها إلى جزر معزولة وسط بحر من المستوطنات.
الأمر الأكثر خطورة هو قرار الكابينت بفرض الرقابة والهدم فى المناطق (أ) و(ب) بحجج واهية تتعلق بـ «حماية المواقع الأثرية». إن هذا التغول العسكرى والمدنى يعنى عملياً إلغاء تقسيمات اتفاقية أوسلو، وسحب الصلاحيات من السلطة الفلسطينية حتى فى المناطق التى يفترض أنها تحت سيطرتها الكاملة. أما فى الخليل، فإن نقل صلاحيات الترخيص من البلدية إلى «الإدارة المدنية» التابعة لسموتريتش هو طعنة فى قلب «اتفاق الخليل» وإفراغ له من مضمونه، يمهد لتهويد الحرم الإبراهيمى بالكامل.
لا يمكن فصل ما يحدث فى الضفة عما يجرى فى قطاع غزة. فبينما يترقب العالم تنفيذ خطة الهدنة، تشير التقارير إلى محاولات إسرائيلية لتحويل «الخط الأصفر» الفاصل فى غزة إلى حدود دائمة تلتهم أكثر من 60 % من مساحة القطاع. إنها استراتيجية واحدة: حشر الفلسطينيين فى «كانتونات» ضيقة وتجريدهم من سيادتهم على أرضهم، وهو ما اعترف به سموتريتش بوقاحة حين قال إن هذه الإجراءات تهدف إلى «دفن فكرة الدولة الفلسطينية».
لقد جاءت إدانة مصر القوية والواضحة لهذه القرارات فى توقيت حاسم لتضع المجتمع الدولى أمام مسئولياته. مصر، التى تقف دائماً حائط صد أمام محاولات تصفية القضية، تدرك أن الصمت على هذه «البلطجة القانونية» يعنى القضاء على حل الدولتين للأبد.
إن الإدانات الورقية لم تعد تكفي. إننا أمام عملية «تطهير مكاني» ممنهجة تتطلب تحركاً دولياً عاجلاً لفرض عقوبات على قادة الاستيطان الذين ينتهكون القانون الدولى جهاراً. تفعيل الآليات القانونية فى محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية لمواجهة تغيير الوضع القانونى للأراضى المحتلة. ضغطاً عالمياً موحداً يدرك أن الاستقرار فى الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق بينما يتم تجريد شعب كامل من هويته وأرضه وحقه فى تقرير المصير.
إن ما أطلق عليه كاتس وسموتريتش «يوماً تاريخياً للاستيطان» هو فى الواقع «يوم أسود» فى سجل العدالة الدولية. وعلى العالم أن يختار: إما الانحياز للقانون الدولي، أو القبول بشريعة الغابة التى تحاول تل أبيب فرضها كواقع لا رجعة فيه.









