مدير مرصد الأزهر لمكافحة التطرف
شهد العالم تحولات جيوسياسية وأمنية عميقة، تتداخل فيها مسارات سياسية بالواقع الميداني المتأزم، وذلك بالتركيز على ثلاثة ملفات تصدرت المشهد: “مركزية القضية الفلسطينية”، و”خارطة التحولات في بؤر التطرف العالمي”، و”واقع الإسلاموفوبيا وتحديات التعايش”.
القضية الفلسطينية
ما بين يناير الذي لم يضمد جراحه، وفبراير الذي استقبلته فلسطين بمزيد من الدماء، تتكشّف الحقيقة ذاتها أمام العالم: اتفاقيات تُوقَّع في الغرف المغلقة، وواقع ميداني تُعيد صياغته الطائرات والآليات العسكرية.
ففي الوقت الذي انشغلت فيه الدوائر السياسية الدولية بالحديث عن “المرحلة الثانية” من وقف إطلاق النار ولجان إدارة غزة، استمرت الخروقات العسكرية في القطاع، وتواصلت الاقتحامات في مدن الضفة الغربية، مؤكدة هشاشة أي مسار سياسي لا يستند إلى التزام فعلي على الأرض.
وعلى وقع غارات كثيفة أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ثلاثين فلسطينيًا، أصدرت 8 دول عربية وإسلامية بيانًا مشتركًا أدانت فيه الانتهاكات المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار،
وأكدت كل من: مصر، وقطر، والأردن، والإمارات، وإندونيسيا، وباكستان، وتركيا، والسعودية، أن هذه الممارسات تهدد بتصعيد خطير وتقويض الجهود الرامية إلى تثبيت الهدوء في المنطقة.
وحذّر البيان من أن استمرار الخروقات يشكّل تهديدًا مباشرًا للعملية السياسية، ويُعيق الانتقال نحو مرحلة أكثر استقرارًا في غزة، فضلًا عن انعكاساته السلبية على الأوضاع الإنسانية وخطط التسوية المطروحة دوليًا، بما في ذلك المبادرة التي سبق أن طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وفي سياق متصل، أعلنت سلطات الاحتلال عن فتح معبر رفح بشكل تجريبي ومحدود، وسط آمال أكثر من عشرين ألف فلسطيني بحاجة إلى رعاية طبية بمغادرة القطاع، مقابل آلاف آخرين عالقين في مصر ينتظرون العودة، إلا أن هذا الانفراج الجزئي لم يبدد القلق، في ظل القيود المفروضة على أعداد العابرين وتعقيد الإجراءات.
وقد أطلقت وكالات الأمم المتحدة نداءً عاجلًا للمجتمع الدولي لاستقبال الجرحى والمرضى، بالتزامن مع إعادة الفتح الجزئي للمعبر، وشدد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية على ضرورة احترام حق المدنيين في التنقل الآمن والطوعي وفق القانون الدولي، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون قيود عبر جميع المعابر.
كما أعربت الأمم المتحدة عن قلقها البالغ إزاء استمرار استهداف المدنيين، مشيرةً إلى أن فرقها الإنسانية تُقيّم الأضرار بعد تقارير عن عشرات القتلى وتضرر مساكن أكثر من أربع وعشرين عائلة خلال أيام قليلة؛ وتؤكد هذه المعطيات أن القطاع يقف مجددًا على حافة انهيار إنساني، رغم الخطاب الدولي عن التهدئة.
من جهتها، جددت رابطة العالم الإسلامي مطالبتها باتخاذ إجراءات حازمة لإجبار الاحتلال على الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار والدخول في المرحلة الثانية من خطة السلام. وأكد الأمين العام للرابطة أن أي مسار سياسي لا يضمن وقفًا شاملًا للأعمال العدائية ووصولًا آمنًا للمساعدات الإنسانية يظل مجرد حبر على ورق.
وفي خطوة أثارت موجة انتقادات، أعلن الاحتلال عزمه حظر منظمة “أطباء بلا حدود” من العمل في غزة بعد رفضها تسليم قوائم بأسماء موظفيها لغياب الضمانات الأمنية، وردت المنظمة بأن الطلب يعرّض حياة العاملين للخطر، فيما أصر الاحتلال على إيقاف أنشطتها، في تطور يعكس تضييقًا متصاعدًا على العمل الإنساني المستقل.
وقد ارتفعت حصيلة ضحايا العدوان على غزة إلى أكثر من 71 ألفًا و800 قتيل، و171 ألفًا و555 جريحًا منذ أكتوبر 2023، فيما لا تزال أعداد غير معروفة تحت الأنقاض وفي الشوارع بسبب عجز فرق الإنقاذ عن الوصول إليهم. ومنذ وقف إطلاق النار الأخير وحده، سقط أكثر من 526 شهيدًا وأُصيب نحو 1.447 آخرين، في مؤشر صارخ على استمرار النزيف رغم الهدنة المعلنة.
وفي الضفة الغربية، فجّر مخطط للاستيلاء على موقع أثري في بلدة سبسطية موجة احتجاجات فلسطينية واسعة؛ ويهدف المشروع إلى إقامة مركز للزوار ومواقف سيارات وأسوار تفصل الموقع عن البلدة، ما يهدد مصدر رزق السكان القائم على السياحة والزراعة، ويُنظر إليه كمحاولة جديدة لتوسيع الاستيطان وطمس الهوية التاريخية للمكان.
وقد امتدت تداعيات الحرب إلى أوروبا، حيث أثار فصل محققة في شرطة لندن بعد نشرها محتوى حول غزة جدلًا واسعًا حول حدود حرية التعبير داخل المؤسسات الرسمية؛ إذ اتُهمت المحققة بنشر محتوى “غير متوازن” ومعادٍ للسامية، في واقعة تعكس حساسية النقاش العام الأوروبي حول فلسطين، وتزايد القيود على الأصوات المنتقدة للسياسات الإسرائيلية.
ومع انقضاء هذا الأسبوع، يتأكد أن فلسطين لم تعد مجرد ملف نزاع إقليمي، بل تحولت إلى بوصلة أخلاقية تختبر مصداقية النظام الدولي.
من غزة التي تنبش تحت ركامها عن شهدائها، إلى القدس التي تواجه التهويد اليومي، مرورًا بعشرات آلاف الأسرى، تتبدد أوهام الحلول الجزئية، ويبرز أن أي سلام لا يعالج جذور الاحتلال محكوم عليه بالفشل.
خارطة التطرف حول العالم
يبرز انسحاب قوات التحالف الدولي من قاعدة “الشدادي” وغيرها من القواعد العسكرية في الشمال السوري كمتغير استراتيجي يعيد رسم موازين القوى في المنطقة؛ وهذا التراجع الميداني قد يمهد الطريق لـ “فراغات أمنية” خطيرة تستغلها التنظيمات المتطرفة لإعادة ترتيب صفوفها.
ويتزامن هذا التحول مع ترتيبات سياسية لدمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن أجهزة الدولة السورية، مما يضع المنطقة أمام مرحلة انتقالية حرجة تتطلب يقظة أمنية لمواجهة أي محاولات للاختراق من قِبل الفلول الإرهابية.
كما تؤشر الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، التي ترتكز على الضربات الجوية المركزة بدلاً من الانتشار البري الكثيف، إلى تحول جوهري في إدارة ملف مكافحة الإرهاب؛ ومع أن هذه الضربات تنجح في تحييد رؤوس قيادية لتنظيم “داعش”،
إلا أن المرصد يحذر من أن الاكتفاء بالردع الجوي دون وجود رقابة أرضية وثيقة قد يمنح التنظيمات المسلحة قدرة على المناورة داخل المجتمعات المحلية، مستغلةً حالة الاستقطاب الإقليمي والتوترات المستمرة بين القوى الكبرى في المنطقة.
أما التوظيف التكتيكي للقوى الناعمة والرقمنة، فلم يعد خطر تنظيم “داعش” محصوراً في ترسانته العسكرية، بل انتقل إلى مرحلة “الإرهاب الهجين” عبر استغلال الفضاء الرقمي وتوظيف العناصر النسائية في عمليات التجنيد والتمويل.
وتكشف التحركات الأمنية الأخيرة في إسبانيا والبرازيل عن شبكات معقدة تعمل عبر الحدود، مما يؤكد أن التنظيم يسعى لتعويض خسائره الميدانية في الشرق الأوسط ببناء خلايا “عابرة للقارات” تعتمد على الدعاية الأيديولوجية الموجهة واختراق المجتمعات الغربية من الداخل.
وفي منطقة الساحل الأفريقي، تظل استراتيجية “قطع الرؤوس” مختبراً مفتوحاً للصراع مع التطرف العنيف، حيث تتسارع العمليات العسكرية التي تستهدف قيادات “داعش الصحراء الكبرى”؛ وهذه العمليات، وإن كانت تضعف البنية التنظيمية للإرهاب، إلا أنها تصطدم بواقع هش تفرضه النزاعات العرقية وضعف السيطرة المركزية؛
وهو ما يستوجب مقاربة دولية تتجاوز البُعد الأمني الصرف نحو معالجة الجذور التنموية والاجتماعية التي تقتات عليها هذه الجماعات.
وفي أفغانستان، يبدو أن المشهد أكثر تعقيداً مع استمرار الانتهاكات الحقوقية المنهجية التي تمارسها سلطة الأمر الواقع بحق النساء والأقليات، وهو ما يخلق بيئة من الاحتقان الداخلي تترجمها هجمات مسلحة في مناطق مثل “قندوز”.
وتزداد المخاوف من تحول الأراضي الأفغانية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، خاصة في ظل احتمالات الصدام الأمريكي الإيراني، مما قد يمنح فرصة ذهبية لـ “تنظيم داعش خراسان” للتمدد وفرض أجندته الدموية كبديل أكثر راديكالية.
إن المواجهة العسكرية تظل قاصرة ما لم تسندها “وقاية فكرية” شاملة، وهو ما تجسده التجربة الإسبانية الحالية في إدماج مفاهيم الوعي النقدي بالمنظومة التعليمية؛
فمعركة الوعي هي الحصن الأخير ضد التطرف، وبناء القدرة لدى الأجيال الناشئة على تفكيك الخطاب الراديكالي، جنباً إلى جنب مع مبادرات التعايش الإنساني مثل “خيمة رمضان” في بريطانيا، يمثل الطريق الأمثل لتقويض الأيديولوجيات المتطرفة واستعادة القيم الإنسانية المشتركة.
أحوال المسلمين والإسلاموفوبيا
تختلف جرائم الكراهية عن غيرها من الجرائم التقليدية في كونها تضرب في عمق الهوية التي تمثلها، سواء كانت دينية أو عرقية أو ثقافية؛ فهي اعتداءات محمّلة برسائل رمزية تتجاوز الأذى المباشر، وتسعى إلى بث الخوف داخل جماعات بأكملها، وتقويض الإحساس بالأمان والانتماء، وتهديد النسيج الاجتماعي في جوهره.
وفي هذا السياق، ألقت الشرطة البريطانية القبض على شخص عقب هجوم متعمد بالحريق استهدف مركزًا إسلاميًا في منطقة «مايدا فالي»،
وأفادت الشرطة في بيان رسمي أن الحادث وقع صباح 3 فبراير الجاري، وكشفت التحقيقات الأولية إلقاء جسمين قابلين للاشتعال داخل ساحة المركز، ما تسبب في إتلاف كابينة خارجية وسيارة متوقفة في المكان، قبل فرار المشتبه به باستخدام سيارة.
وبعد أقل من اثنتي عشرة ساعة، أعلنت الشرطة اعتقال رجل يبلغ من العمر 47 عامًا، للاشتباه في ارتكابه جريمة حرق متعمد بقصد تعريض حياة الأبرياء للخطر، ولا يزال قيد الاحتجاز لاستكمال التحقيقات.
وفي الولايات المتحدة، فتحت شرطة مدينة نيويورك تحقيقًا في حادث اصطدام سيارة بمقر حركة «حباد لوبافيتش» العالمي في حي كراون هايتس بمنطقة بروكلين، وسط شبهات بوجود دافع كراهية.
وأكدت السلطات عدم وقوع إصابات، فيما جرى توقيف السائق ووضعه رهن الاحتجاز. ويُعد المبنى المستهدف مركزًا دينيًا بارزًا لأتباع التيار الحسيدي من اليهود الأرثوذكس المتشددين، ما أضفى على الحادث حساسية خاصة، ووصف عمدة نيويورك، زهران ممداني، الواقعة بأنها «مقلقة للغاية»،
مؤكدًا أن أي تهديد لدور العبادة يجب التعامل معه بأقصى درجات الجدية، ومشددًا على أن «لا مكان لمعاداة السامية أو أي شكل من أشكال الكراهية الدينية في نيويورك».
وعلى صعيد السياسات العامة، أعلنت الحكومة الكندية خططًا لاستبدال المكاتب المعنية بمكافحة الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية بمجلس استشاري جديد، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشمولية وتطوير أدوات أكثر فاعلية لمواجهة التمييز؛
ويُنتظر أن يضم المجلس خبراء وممثلين عن المجتمع المدني لتقديم مشورة استراتيجية للحكومة، بما يعكس تحولًا من السياسات التفاعلية بعد وقوع الحوادث إلى مقاربة استباقية تسعى إلى منع خطاب الكراهية قبل تحوله إلى عنف فعلي.
وفي هذا الإطار، أحيا سكان مدينة مونتريال ذكرى الهجوم الإرهابي الذي استهدف مسجد مدينة كيبيك عام 2017، وأسفر عن مقتل ستة مسلمين؛
وجاءت الفعالية بتنظيم رسمي وبمشاركة مجتمعية واسعة، تأكيدًا على أن آثار الجريمة لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية، وأن مواجهة الإسلاموفوبيا مسؤولية مستمرة لا ترتبط بزمن أو مناسبة،
ويمثل إحياء الذكرى وعيًا متناميًا بخطورة جرائم الكراهية، ويعيد التذكير بأن هذه الجرائم لا تمثل أي دين أو ثقافة، بل تنبع من فكر متطرف يقوم على الإقصاء ونزع الإنسانية عن الآخر.
وفي أستراليا، توجد ردود فعل غاضبة داخل المجتمع المسلم بسبب تصريحات منسوبة لرئيس الوزراء الأسبق سكوت موريسون، وُصفت بأنها تعميمية ومعادية للإسلام.
وتكشف هذه الوقائع المتداخلة في أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا عن مشهد عالمي معقّد، تتصاعد فيه جرائم الكراهية وخطابات الإقصاء، في مقابل جهود قانونية ومجتمعية ودينية تسعى لحماية قيم التعدد والكرامة الإنسانية.
إن مواجهة هذا التحدي لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية وحدها، بل تتطلب سياسات شاملة، وإعلامًا مسؤولًا، وخطابًا سياسيًا متزنًا، يعيد الاعتبار للإنسان بوصفه إنسانًا، قبل أي انتماء آخر.









