فى ظل التحولات المتسارعة التى يشهدها العالم الرقمى، باتت الدولة المصرية أمام معادلة دقيقة تفرض نفسها بقوة: كيف يمكن الاستفادة من الإمكانات الهائلة التى يتيحها الإنترنت فى التعليم وبناء المعرفة وتنمية المهارات، دون أن يتحول هذا الفضاء المفتوح إلى ساحة تهدد سلامة الأطفال النفسية والاجتماعية، أو تؤثر سلبًا على تحصيلهم الدراسى وهويتهم الثقافية؟
الملف لم يعد قضية تربوية أو تعليمية فحسب، بل أصبح قضية أمن مجتمعى تمس استقرار الأسرة.
ومن هذا المنطلق، جاءت التوجيهات الرئاسية والتحرك الحكومى والبرلمانى المشترك، وتحقيقاً لذلك استضافت لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب برئاسة النائب أحمد بدوى اجتماعاً موسعاً بحضور الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، ورؤساءالهيئات البرلمانية للاحزاب وممثلى المجلس القومى للطفولة والأمومة، وممثلى الأزهر الشريف والكنيسة، وممثلين عن جميع المنصات العالمية.
قال عمرو طلعت وزير الاتصالات إن آلية إعداد قانون لتنظيم استخدام الاطفال للمحمول سيتضمن التوازن بين عدم حرمان الأطفال من منافع الإنترنت وتقييد استخدامه وعدم التفريط فى حق الطفل أن ينعم بسلام نفسى واجتماعى ويتعلم ويلعب فى بيئة سوية.
مؤكدا أن الفضاء السيبرانى لم يعد نافذة على العالم فقط بل أصبح جزءاً من النسيج الاجتماعى. وأكد أن الأطفال أصبحوا ينخرطون فى العالم الرقمى منذ نعومة اظافرهم مما يؤثر ويشكل وعيهم ورؤيتهم لذاتهم والآخرين، موضحا أن تأثير الإنترنت نفسيا واجتماعيا أمر لا خلاف عليه.
وقال إن التحدى قد زاد مؤخرا بسبب تغير أنماط محتوى النشر الرقمى حيث كان قديما ينتج بواسطة عنصر بشري، واليوم اختلف الأمر حيث ان خوارزميات الذكاء الاصطناعى تجعل مقدم المحتوى اقرب للإنسان من نفسه.
وأشار إلى أن الخطورة تكمن فى عدم قدرة الأطفال على حماية أنفسهم، واختيار ما يناسبهم حيث تنساب لهم مختلف الرسائل الضار منها والنافع.
قالت الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعى ان مصر كانت سباقة وفتحت هذا الملف منذ أكثر من 5سنوات، وكان كثير من الناس ضدنا، وفتحنا الملف فى المجلس القومى للمرأة، وكنا ومازلنا نؤكد على ضرورة أن تكون هناك مساحة آمنة، وهناك بعض الدول قدمت مقترحات خاصة بأن المسئولية الجنائية لا تقع فقط على الشركة ولكن تقع أيضا على المسئول فى هذه الدولة.
وأشارت إلى أن سن 14 سنة هو السن التى تستوعب إلى حد ما الاستخدام والهوية الرقمية وعنده المعلومات، ولفتت إلى أن الاتجاه القانونى يرى أن الدولة ملزمة بضمان عدم استخدام أراضيها بنشر محتوى يخل باتفاقيات حقوق الطفل، وعدم المساس بالحقوق، ونشر محتوى غير لائق أو إباحى على سبيل المثال.
وأوضحت وزيرة التضامن أن هناك مخاطر لهذه المنصات على التحصيل الدراسى والتركيز فى المرحلة التعليمية، حيث إن نسبة تركيز الطفل أصبحت 8 ثواني، وأن الأمر ليس مشكلة التعليم، وأن 6 من 10 أطفال من مستخدمى الإنترنت يتحولون إلى غرباء، ونحتاج إلى أن نرى العالم يتجه إلى أين؟، وتابعت: المملكة المتحدة عندها قانون الأمان والانترنت ويعد من اقوى القوانين عالمياً، ومصر رقم 22 عالمياً وعندنا القدرة نقدر ننفذ.
وذكرت الوزيرة أن الدول تستخدم 3 أدوات لإجبار الشركات بشأن تحديد العمر للمستخدمين، أولها وجود ممثل قانونى يمكن التفاوض معه، وخلال 2025 أكدت إحدى المنصات أنها حذفت حوالى 2.9 مليون فيديو مخل، فلماذا لا يتم حذف كل الفيديوهات، وهنا يمكن أن تقوم مؤسسات الدولة بمطالبة المنصات بحذف الفيديوهات الخطرة والمخلة؟
وطالبت وزيرة التضامن الاجتماعى بأن يتم إقرار غرامة فى القانون المزمع إعداده، واقترحت فرض غرامة من 2 إلى 4 ٪ من الإيرادات العالمية للشركات، وأن توجه الغرامات إلى صندوق خاص لدعم التعليم والصحة فى مصر، وأن تكون هذه النسب للغرامات بالإجبار.
كما لفتت إلى ضرورة وجود موزع اللعبة، وتوفير أدوات الرقابة الأبوية فى هذه المنصات، والمسئولية الجنائية لا تقع على الأب ولكن على المنصة التى تسمح بذلك.
وأكدت أن الموضوع أمن قومى ووطنى وأمن واستقرار لأطفال ليس لهم أى ذنب فى تجارة أو إعلانات تتكسب منها المنصات الرقمية.
وخلال الجلسة، وجه محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفنى الشكر لمجلس النواب للخطوات التى يقوم بها، والتى تأتى فى إطار توجه الدولة نحو إعداد مشروع قانون متكامل ينظم ويضع المزيد من الضوابط لاستخدام الأطفال لتطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعى والألعاب الالكترونية، مؤكداً أن مجلس النواب يمثل شريكًا أصيلًا فى صياغة السياسات العامة، كما أن التعاون القائم بين السلطتين التنفيذية والتشريعية يعد ركيزة أساسية لدعم جهود الدولة فى تطوير التعليم وحماية النشء.
وأكد عبد اللطيف، أن هذا الملف يركز بالأساس على الفئات العمرية الموجودة فى مدارس وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، حيث تمتد هذه الفئات من سن 4سنوات حتى 15 سنة، وهى مرحلة شديدة الأهمية فى بناء الشخصية، موضحًا أن هناك أزمة حقيقية فى ظل وجود منصات مفتوحة ومتاحة دون ضوابط كافية، مما يستدعى تكثيف الجهود لحماية أبنائنا الطلاب.
وقال الوزير: “إن الوزارة تدرس لأبنائها الطلاب مفاهيم البرمجة والذكاء الاصطناعى من خلال منصات دولية لطلاب الصف الأول الثانوى ممن بلغوا سن 15 عامًا، بهدف تعريف الطلاب بأساسيات البرمجة وبمفهوم الذكاء الاصطناعى وآليات التفكير الخوارزمي، لتوسيع مداركهم حول كيفية عمل هذه التقنيات، وتنمية وعيهم الرقمي، بما يمكنهم من الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا”.
وأشاد النائب أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات بمجلس النواب، بتوجيه الرئيس عبد الفتاح السيسى، بشأن ضرورة اتخاذ ما يلزم من أجل مواجهة مخاطر مواقع التواصل الاجتماعى على الأطفال وقال أن هناك تجارب دول فى تقنين استخدام الأطفال مواقع التواصل الاجتماعي، قائلا: ليس بالضرورة أن نأخذ التشريعات كما هي، لأن القضية ليست سن قوانين دائما العبرة فى النهاية بالتنفيذ.
أكد النائب محمد عيد محجوب، رئيس لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، أن الدولة المصرية لم تكن بعيدة فى أى وقت عن ملف حماية الأطفال، مشيرًا إلى أن حماية الطفل كانت دائمًا أحد الأسس الرئيسية للعمل التشريعى فى مصر.
وأشار رئيس لجنة الشئون الدستورية والتشريعية إلى أن قانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن جرائم تقنية المعلومات حرص بدوره على وضع أطر حماية معينة للأطفال، فى ظل التطور التكنولوجى المتسارع وما يفرضه من تحديات جديدة.









