على عشاق «جلد الذات» أن يكفوا عن ازدواجية المعايير
بقلم : حلمى النمنم
حسنًا فعل الرئيس دونالد ترامب أن أَمَر بنشر وثائق وأوراق المجرم الجنسى«جيفرى إبستين»، الذى عُثِر عليه ميتا فى زنزانته يوم العاشر من أغسطس سنة 2019، دون وجود مؤشرات على انتحاره، والواضح أن اختفاء ذلك المجرم كان مريحا لأطراف وشخصيات عديدة فى العالم كله، وكان جيفرى يمتلك جزيرة حملت اسمه، أتهم بتسهيل الدعارة والاتجار الجنسى بالقاصرات ـ حتى الآن ـ تبين وجود مائة ضحية له من القاصرات المترددين على الجزيرة «الزبائن» لم يكونوا شخصيات عادية، بل عِلْيَة القوم حول العالم، يكفى أنه كان من بينهم عدد من رؤساء الولايات المتحدة وكبار الشخصيات فى بعض الإدارات الأمريكية مثل نائب رئيس أمريكى سابق، لعب دورا كبيرًا فى غزو العراق سنة 2003.
الرئيس الأسبق بيل كلينتون وزوجته السيدة هيلارى وافقا أخيرًا على حضور جلسة استماع فى الكونجرس للحديث حول هذه القضية.
الحكومة البريطانية الحالية مهددة بسبب أوراق إبستين، فقد تبين تورط وزير سابق أدلى بمعلومات سرية إلى جيفرى عن خطط الحكومة البريطانية للتعامل مع الأزمة المالية سنة 2008، وقد تلقى مبلغ «75» ألف دولار مقابل هذه المعلومات، أى أنه كان جاسوسًا على حكومة بلاده لحساب أطراف اخرى أجنبية، وتلك مجرد واحدة من فضائح عديدة تورط فيها، ثم اختفى عن الأضواء، والمشكلة أن رئيس الحكومة الحالى استعان به وأسند اليه موقعا مهمًا.
أُسر ملكية أوروبية اهتزت لتورط أفراد منها مع جيفرى إبستين، وسفراء كبار وشخصيات عديدة تغادر مواقعها لتورطهم معه، وآخرهم الإطاحة بأحد سفراء الغرب لدى دولتين عربيتين، وكانت السفيرة التى تبلغ من العمر 66 عاما، لعبت هى وزوجها الدبلوماسى دورا فى عقد اتفاق اوسلو تبين من أوراق المجرم الجنسى انه خصص لها وابنتيها مبلغ عشرة ملايين دولار وفى عرف الآداب الوظيفية يعد ذلك المبلغ رشوة ضخمة.
اندهش عدد من الباحثين والمحللين من قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الإفراج عن ملف جيفرى كاملا، وهكذا أغرقت وزارة العدل الأمريكية العالم بطوفان من الفضائح، تقع فى ثلاثة ملايين صفحة ومعها حوالى 180 ألف صورة فوتوغرافية، وكذلك ألفان من مقاطع الفيديو «فعلًا تسونامى فضائح».
كان خصوم ترامب من الديمقراطيين هددوه بأن له صورة قديمة مع إبستين، فطلب منهم أن ينظروا فيما يتعلق بالرئيس السابق كلينتون، لكنهم رفضوا، كما رفضت أسرة كلينتون، وهكذا قرر ترامب فتح «صندوق بانادورا» أمامهم، على طريقة «عَلَيَّ وعلى أعدائي».
هل فعلًا قصد إلقاء كل شيء فى وجه الجميع ليصرف الانتباه عما يدور حوله أو أنه فعلا يريد أن يقول لمهاجميه وخصومه أن مايرمونه به هين جدا قياسا على ما قام به رموزهم جميعًا، رجال وسيدات.
لكن وجهة نظر أخرى تذهب إلى أنه لأسباب سياسية ـ دينية لديه، أراد أن يُطْلِع الجميع على المستوى السياسى والاخلاقى العام، فَيَكُفَ الليبراليون عن تذكيره الدائم بقواعد ومعايير، هُمْ أنفسهم من قاموا بنقيضها، وهو هنا يضرب الليبرالية ذاتها، لصالح تياره السياسى المحافظ.
أيَّاً كان الامر واختياراته ودوافع قراره، فقد وضع أمام الجميع مرآة كاشفة بما كان يتم فى الخفاء، بعيدا عن عيون الصحافة والرأى العام، على مدى عقود.
بالتأكيد فغر بعضنا أفواههم من حجم الفضائح القذرة والانحطاط الأخلاقى، لكن لايجب أن نتوقف فى الوثائق عند حدود الفضائح الجنسية، إلى جوار الجنس برزت وقائع وأمور سياسية حيكت فى الجزيرة، يكفى تفاصيل الأزمة السورية منذ سنة 2011، حيث كان جيفرى ضالعا فيها، ومحاولة المخابرات الإسرائيلية التدخل فى سوريا سنة 2014، ولكنهم فَضَلُوا وجود رئيس ضعيف ومهزوم عن وجود رئيس قوي.. تفاصيل كثيرة وعديدة حول وقائع فى عشرات الدول، حتى الأوروبية منها.
يجب التوقف ـ هنا ـ أمام أمرين تحديدًا
الأول: أن الديكور الغربى «أوروبى ـ أمريكي»، حول معايير النزاهة والشفافية والحوكمة والرشادة.. ناهيك عن أصول وقواعد حقوق الإنسان والديموقراطية وحقوق المرأة، وهى كلها أدوات ثبت أنهم لا يلتزمون بها ولا يتبعونها.
هنا يمكن أن نقول إن ذلك الديكور ليس سوى أدوات للسيطرة على حكومات ومقدرات دول العالم الثالث والتحكم فى مساراتها السياسية والاجتماعية، يصل الامر ألى حدود العبث بهوياتها الوطنية والاخلاقية، بفرض نماذج وشروط عليها لا تتفق مع تراثها وتقاليدها.
هؤلاء الذين صدعوا رءوسنا أن المجتمع الشرقى عموما والعربى تحديدا، لا يحترم فى ثقافته المرأة، وأن الثقافة العربية والإسلامية تنظر إلى المرأة باعتبارها جسدا فقط، وعاء للجنس، لكنهم هم أنفسهم لم يتورع قادتهم عن إكراه قاصرات لسنوات، على البغاء، دون حتى أن يعتذروا عن ذلك ولا أن يقروا بالخطأ والخطيئة.
منذ عدة أيام، كان أستاذ جامعى، متقعر، سوداوى المزاج راح يعيرنا بترتيب بلادنا فى تقارير النزاهة والشفافية وووو، ولم يَطْرف له جفن أمام تسونامى الفضائح فى أوراق جيفرى أو حتى على أرض الواقع فى فلسطين المحتلة.
الثانى: يتعلق بسياسة معظم الدول الاوروبية والولايات المتحدة الأمريكية
هناك مجالس نيابية منتخبة، حكومات تذهب وتجىء لأسباب بسيطة، حكام يصعدون واخرون يذهبون بعيدًا، صحافة توصف بانها حرة، لكن عمليا وطول التاريخ كانت الامور تدار بشكلٍ آخر فى جزر منعزلة أو نواد مغلقة، فلشللية ومجموعات مصالح، فى بعض الحالات عصابات منظمة.
قبل العصر الحديث كانت هناك جمعيات سرية، الماسونية نموذجا، تدير كافة الامور، تحدد من يصعد ومن يبعد، بل قد يُقْتَل، كتب التاريخ مليئة بعشرات الوقائع، أعمال «دان براون» الروائية، خاصة شفرة دافنشي، خاضت فى هذه العوالم وحاولت تقديمها، ويمكن أن نلمس شيئا من ذلك فى بعض أعمال وليم شكسبير مثل هاملت وماكبث وتاجر البندقية وغيرها.
وفى العصر الحديث، لم يختلف الأمر كثيرًا، هل المافيا فى إيطاليا وغيرها إلا حالة واضحة، عصابات مسلحة ومنظمة تجد حما من كبار المسئولين وتتدخل فى أمور وقضايا بالغة الأهمية.
ماذا يمكن أن نسمى جماعات «بلاك ووتر» والأدوار التى قامت بها فى العراق وبعض البلدان الإفريقية وربما بلدان أخرى.
حاولت الجماعات الليبرالية واليسارية حصار الدول والحد من دور بعض الأجهزة مثل المخابرات وغيرها، على طريقة «خدهم على قد عقلهم» ، انطلقت الجزر والنوادى الخاصة تقوم بكل شىء سرا، بعيدًا عن الرسميات والبروتوكولات المعلنة.
فى غابات شمال كاليفورنيا تأسس فى القرن التاسع عشر ـ 1872 ـ «نادى بوهيميا»، يجتمع اعضاؤه فى «بوهيميان جروف»، هو نادى للصفوة، يضم النخبة السياسية والمالية، عضويته للذكور فقط ، الحصول على العضوية بالغة الصعوبة ومعقدة، تقررت فيه كثير من الامور الحاسمة، كان من أعضائه عدد من الشخصيات الكبرى، وفى ذلك النادى التقى العالم النووى «روبرت اوبنهايمر» بفريق العمل وتقرر العمل بسرعة على إنتاج القنبله النووية، من حُسن الحظ أن د.لندا غدار الأستاذ بالجامعة اللبنانية نشرت مؤخرا دراسة مفصلة عنه.
هناك دائما المسارات الخلفية، الحاكمة والمؤثرة، باختصار جزيرة جيفرى إبستين وزبائنه ليست استثناء ولا شذوذًا تاريخيا.
فقط نحن عرفنا بعضا مما كان يقوم به، ذلك إننا نعيش عصرًا لا خفاء ولا كتمان فيه، وربما لو كان هناك ـ من قبل ـ دونالد ترامب لاكتشفنا وعرفنا، كثيرون ماتوا وماتت معهم الأسرار والفضائح.
لا يجب أن يفهم السادة القراء أننا نحاول تبرير ماحدث أو منحه درجة من المشروعية ولا حتى اعتباره أمراً اعتياديا، نريد أمور عدة..
الأول محاولة تفهم ما يجرى فى العالم وأن ندرك ما وراء المثالية المزعومة، التى يرفعها دائما بعض الساسة الغربيين فى وجهنا وكأنهم البشر ونحن البرابرة، هم المتحضرون ونحن المتخلفون، هذه النظرة محض هراء.
الثانى: على السادة عشاق جلد الذات والممتعضين من كل تفاصيل حياتنا أن يهونوا على أنفسهم قليلًا ويكفوا عن نشر السوداوية والتشاؤم واليأس فينا وبيننا.
الثالث: فى قضايا السياسة لا يجب أن تخدعنا التصريحات العنترية والخطب الرنانة، غالبا تخفى وراءها من المواقف والافعال والسلوكيات انحطاطا شديدًا وتناقضات حادة، حتى فى الدول الكبرى والعظمى وتصدق هنا المقولة المصرية الشهيرة «اسمع كلامك اصدقك، أشوف أمورك إستعجب.









