
تهتم الدولة بدعم العلماء وتكريم القامات الفكرية التى أسهمت فى إثراء الحياة الأكاديمية والبحثية.. ومن هنا جاء فوز الدكتور محمد سامح عمرو عميد كلية الحقوق بجامعة القاهرة ورئيس المجلس التنفيذى لمنظمة اليونسكو سابقًا بجائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية لعام 2025 تتويجًا لمسيرته العلمية الطويلة التى اتسمت بالجدية والالتزام والعطاء المتواصل، وتأكيدًا على الدور البارز الذى تلعبه الدراسات القانونية ضمن منظومة العلوم الاجتماعية باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق العدالة وترسيخ سيادة القانون د. سامح قال: إن هناك اهتمامًا متزايدًا بالبحث العلمى فى السنوات الأخيرة لأنه استثمار حقيقى فى مستقبل الوطن ويرتبط بصنع القرار، مؤكدًا أنه تم استحداث برامج دراسية جديدة وإضافة مواد ومناهج دراسية جديدة تتوافق مع التطورات الحديثة ووظائف المستقبل.. أشار عميد حقوق القاهرة إلى أن فوز د. خالد العنانى بمنصب مدير عام منظمة اليونسكو يعد إنجازا وطنيًا يعكس الدور التاريخى والحضارى لمصر وقدرتها على تعزيز مكانتها القيادية دوليا، ويمثل امتدادا لدور مصر التاريخى فى دعم الحضارة والثقافة والعلوم على مستوى العالم.. ∩الجمهورية∪ حاورته فى دلالات جائزة الدولة التقديرية التى حصل عليها، ومسيرته العلمية ورؤيته مستقبل البحث العلمى والتعليم القانونى فى مصر والعديد من القضايا الأخرى.
جائزة الدولة التقديرية ماذا تمثل لكم على المستوى الشخصى والعلمى؟
الجائزة ليست تكريما لشخصى فقط وإنما تقدير لمسيرة علمية امتدت سنوات طويلة من البحث والتدريس والعمل الأكاديمى، كما أنها تعبير عن اهتمام الدولة بالعلماء والباحثين ودورهم فى بناء المجتمع، وتمثل هذه الجائزة قيمة معنوية كبيرة لأنها تأتى من الدولة ويتم منحها لمن أفنوا سنوات عمرهم فى خدمة العلم وفى الوقت ذاته مسئولية؛ لأنها تضع على عاتق الفائز بها واجب الاستمرار فى العطاء ونقل الخبرات إلى الأجيال الجديدة من الباحثين والطلاب، فالعلوم الاجتماعية تلعب دورا محوريا فى فَهْم المجتمعات وتحليل قضاياها، والقانون يحتل مكانة بين هذه العلوم لأنه ينظم العلاقات داخل المجتمع، ويحمى الحقوق ويحقق التوازن بين المصالح المختلفة، ومن هنا تأتى أهمية البحث العلمى فى هذا المجال.
ما هى فى رأيك أبرز ملامح مسيرتكم العلمية التى كانت سببا فى الحصول على جائزة الدولة التقديرية؟
المسيرة العلمية لا تبنى فى وقت قصير بل نتاج سنوات جهد متواصل، سواء فى التدريس الجامعى أو البحث العلمى أو المشاركة فى المؤتمرات والندوات المتخصصة، وقد حرصت دائما أن يكون البحث العلمى مرتبطا بقضايا المجتمع وليس مجرد جهد نظرى معزول عن الواقع، فالبحث العلمى القانونى يمكنه تقديم رؤى واقعية لتطوير التشريعات وتحليل الظواهر القانونية والاجتماعية واقتراح حلول قائمة على الدراسة والمنهج العلمى وعندما يرتبط البحث العلمى بصنع القرار يصبح أداة فعالة فى تحقيق التنمية والاستقرار، كما أن العمل الإدارى جزءًا لايتجزأ من العمل الأكاديمى ويجب ألا يكون على حساب البحث العلمي؛ لذا أحاول دائما تنظيم الوقت وإعطاء البحث العلمى ما يستحقه من اهتمام، لأن القيادة الأكاديمية الناجحة يجب أن تكون قائمة على أساس علمى راسخ.
كيف ترى مستقبل التعليم القانونى فى مصر؟
أنا متفائل بمستقبل التعليم القانونى خاصة مع الاتجاه نحو تطوير المناهج وربط الدراسة النظرية بالتطبيق العملى، واستخدام التقنيات الحديثة فى التعليم فالهدف تخريج كوادر قانونية قادرة على التعامل مع التحديات المعاصرة، وحقوق القاهرة تحرص على دعم البحث العلمى من خلال تشجيع النشر العلمى وتنظيم المؤتمرات والفعاليات العلمية وتهيئة بيئة أكاديمية تساعد الباحثين على الإبداع.
هل الدولة تعطى البحث العلمى الاهتمام الكافى؟
بالطبع.. هناك اهتمام متزايد بالبحث العلمى فى السنوات الأخيرة، لكننا نطمح دائما إلى مزيد من الدعم سواء على المستوى المادى أو المعنوى، فالبحث العلمى استثمار حقيقى فى مستقبل الوطن.
كيف ترى مكانة حقوق القاهرة بين كليات الحقوق بالجامعات الأخرى؟
حقوق القاهرة لها تاريخ عريق ومكانة راسخة على المستويين الإقليمى والدولى، فهى تعد واحدة من أعرق المؤسسات الأكاديمية فى مصر والعالم العربى لدورها البارز فى تخريج أجيال من القضاة والمستشارين وأساتذة القانون، وقد ساهم خريجوها عبر العقود فى بناء المنظومة القانونية والقضائية وتولى مناصب مهمة داخل مصر وخارجها، وتعتمد الكلية على رؤية متكاملة تهدف إعداد طالب يمتلك أساسا علميا راسخا فى مختلف فروع القانون، إلى جانب تنمية مهارات التفكير النقدى والتحليل القانونى مع غرس القيم المهنية والأخلاقية المرتبطة برسالة القانون، لذلك أنا متفائل بمستقبل الكلية فى الفترة القادمة وأثق أنها ستظل منارة علمية رائدة تخرج أجيالا قادرة على تحمل المسؤولية وخدمة الوطن وسيادة القانون.
حدثنا عن استفادة حقوق القاهرة من التطورات العالمية ومدى تطوير الكلية مناهجها الدراسية؟
نحرص على مراجعة المناهج بشكل دورى بما يواكب التغيرات التشريعية والتطورات العالمية مع إدخال موضوعات قانونية حديثة وربط الدراسة النظرية بالتطبيق العملى حتى يكون الطالب قادرا على فهم الواقع القانونى والتعامل معه بكفاءة، وتم استحداث برامج دراسية جديدة وإضافة مواد ومناهج دراسية جديدة تتوافق مع التطورات الحديثة ووظائف المستقبل، فاللائحة الجديدة تهدف إلى تقديم تعليم قانونى متميز وفقا لأحدث النظم التدريسية الحديثة بما يتيح فرص التفوق للطلاب والمنافسة بينهم فى كافة المجالات القانونية، إضافة إلى تبنى معايير عالمية فى مجال الدراسات والبحوث القانونية وإعداد جيل من الخريجين مؤهلين بمهارات معرفية وبحثية متميزة للنهوض بالعمل القانونى فى جميع القطاعات والمساهمة الفعالة فى نشر الوعى القانونى فى المجتمع وترسيخ قيم العدالة، وإحداث تغيير شامل فى لائحة الدراسات العليا بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل والمناهج الحديثة، فقد استحدثت الكلية عددا كبيرا من برامج الدراسات العليا فى جانب الدراسات القانونية لتحافظ على ريادة حقوق القاهرة للتعليم القانونى بمصر والعالم العربى وتقديم برامج أكاديمية حديثة وإنجازات علمية وتدريسية لأعضاء هيئة التدريس، واستحداث برامج تبادل أعضاء هيئة التدريس من خلال وضع وتنفيذ برامج لاستقطاب الأساتذة الزائرين وإيفاد أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة إلى الجامعات الأخرى، والمساهمة فى تحقيق الخطط الوطنية والإقليمية والدولية للتنمية المستدامة بما يؤكد أن حقوق القاهرة بيت خبرة لتقديم الاستشارات والخدمات القانونية لكافة المؤسسات العامة والخاصة، ولأول مرة هذا العام يتم تطبيق نظام الفصل الدراسى الصيفى داخل الكلية حيث يوفر مزايا عديدة للطلاب، أبرزها: اختصار سنوات الدراسة والتخرج المبكر، وتخفيف العبء الدراسى خلال الفصول العادية، ورفع المعدل التراكمى بإعادة مواد صعبة، وإتاحة فرصة لاكتساب ساعات إضافية وتعويض المقررات، استغلال الصيف بشكل فعال بدلا من إهداره مما يمنح مرونة فى التخطيط الأكاديمى وتحسين الأداء، إضافة إلى إنشاء مركز فهرسة وتوثيق الكتب إلكترونيا للطلاب والباحثين وميكنة شئون الطلاب بالكلية بالتعاون مع وزارة الاتصالات بهدف إتاحة جميع الخدمات لطلاب الكلية إلكترونيا من خلال الرقم القومى للطالب.
هل مازالت دراسة القانون مهمة بالنسبة للمجتمع.. وما أبرز التحديات التى يواجهها؟
القانون هو الأساس الذى يقوم عليه استقرار المجتمعات ودراسته تسهم فى نشر الوعى القانونى وتحقيق العدالة وتنظيم العلاقات بين الأفراد والمؤسسات مما يعزز من احترام الحقوق والواجبات داخل المجتمع، فالبنية التشريعية المستقرة أساس التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات، التعليم الأكاديمى ولكن هناك بعض التحديات تواجه التعليم القانونى حاليا أبرزها مواكبة التغيرات السريعة فى التشريعات وربط التعليم الأكاديمى بالواقع العملى وهو ما نسعى إلى التعامل معه من خلال التطوير المستمر للمناهج والأساليب التعليمية.
كيف ترى فوز الدكتور خالد العنانى بمنصب مدير عام منظمة اليونسكو؟
فوز الدكتور خالد العنانى بمنصب مدير عام منظمة اليونسكو إنجاز وطنى يعكس الدور التاريخى والحضارى لمصر وقدرتها على تعزيز مكانتها القيادية دوليا ويمثل امتدادا لدور مصر التاريخى فى دعم الحضارة والثقافة والعلوم على مستوى العالم، ودعم القيادة السياسية وعلى رأسها الرئيس عبد الفتاح السيسى كان عاملا حاسما فى نجاح هذه الحملة لأن الرئيس أولى اهتماما خاصا بهذا الملف وجعله حاضرا على أجندة لقاءاته الدولية والثنائية والإقليمية، كما أن الدكتور خالد العنانى قام خلال العامين الماضيين بجولات مكوكية شملت نحو 60 دولة لعرض رؤيته وبرنامجه أمام الدول الأعضاء فى المنظمة وهو ما ساهم فى تعزيز فرصه بشكل كبير، فما تحقق يعد مثالا يحتذى فى إدارة الحملات الدبلوماسية حيث امتزج الدعم السياسى بالتحرك الدبلوماسى الميدانى فى تناغم تام بين مؤسسات الدولة وهو ما عكس صورة مصر الحديثة القادرة على المنافسة الدولية باحترافية وثقة. وأعتقد أن د. خالد سوف يقدم نموذج مصرى محترم فى قيادته لهذه المؤسسة الدولية.
ما أهمية حماية التراث الثقافى فى ظل النزاعات والصراعات؟
التراث الثقافى يمثل ذاكرة الشعوب وهويتها وحمايته ليست مجرد حماية للماضى بل حفاظ على مستقبل الأجيال القادمة وعندما يتم تدمير التراث تفقد جزءًا من الهوية الإنسانية ومن هنا تعمل اليونسكو على حماية المواقع التراثية وتعزيز الوعى بأهميتها، إضافة إلى أن الثقافة لغة مشتركة بين الشعوب وعندما نشجع التبادل الثقافى والحوار بين الحضارات فإننا نرسخ قيم التسامح والاحترام المتبادل والسلام الحقيقى لا يبنى بالقوة بل بالفهم المشترك وهو ما تسعى اليونسكو إلى تحقيقه؛ لأن العمل متعدد الأطراف يظل الخيار الأمثل لمواجهة القضايا العالمية رغم التحديات ولا تستطيع دولة واحدة مواجهة التحديات وحدها فالتعاون الدولى هو السبيل لتحقيق التقدم والاستقرار.
ما الرسالة التى تود توجيهها للباحثين الشباب وطلاب الدراسات العليا؟
أدعو الباحثين الشباب إلى التحلى بالصبر والمثابرة والاهتمام بالبحث الجاد والمتعمق وعدم السعى وراء النتائج السريعة، فالبحث العلمى رسالة ومسئولية يتطلب الإخلاص والالتزام بالمنهج العلمى وربط الدراسة النظرية بقضايا الواقع، وأقول للشباب: إن العالم بحاجة إلى عقولكم وأفكاركم وعليكم بالعلم والانفتاح على الثقافات الأخرى مع الحفاظ على هويتكم وضرورة المشاركة الإيجابية فى المجتمع مع احترام التنوع









