حسناً فعلت الحكومة بطمأنة مواطنى الإسكندرية على استمرارية ترامها التاريخى الشهير، ونفى ما تردد عن إيقافه نهائياً.. وأن بداية رفعه تدريجياً من الخدمة يدخل فى عملية الإحلال والتجديد والتطوير الشامل، ليعود مرة أخرى يؤدى دوره كوسيلة نقل حضارية ونظيفة وآمنة، وأيضا رخيصة نسبياً، لنقل المواطنين وطلاب المدارس والجامعات.
الحقيقة، أنه من حق شعب محافظة الاسكندرية بل كثير من المواطنين فى مصر أن يشعروا بالقلق والتوجس من هذه الشائعة، ليس فقط باعتبار أن هذا الترام وسيلة نقل تؤدى لهم خدمة، ولكن باعتباره «عِشرة قديمة» وأحد معالم مدينة الاسكندرية عروس البحر الأبيض المتوسط، الذى ارتبط به أهلها وزوارها الكثيرون، خاصة فى فصل الصيف، وأيضا الزوار والسياح على مدار العام، الذين يرتادونه كنزهة جميلة وهو يجوب أرجاء المدينة يذكرهم بتاريخها العريق، لاسيما أن هذا الترام بدأ فى أواخر القرن قبل الماضى مع بدء دخول السكك الحديدية إلى مصر قبله قليلاً بعقدين من الزمان.
>>>
وبعيداً عن ترام الإسكندرية الذى نشرت «الجمهورية» منذ أسبوع خطة تطويره الشاملة وإحلاله بإدخال الخدمة قطارات جديدة تمتاز بالسرعة والكفاءة.. فإن هذا الموضوع أثار فى نفسى كثيراً من الشجن وذكرنى بمأساة مترو مصر الجديدة التاريخى أيضا، الذى كتبت شهادة وفاته مع أحداث يناير 2011، بعدما فشلت كل المحاولات الحكومية التى جرت لإنقاذه، بعدما تخلت عنه شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير وقررت التخلص منه بحجة أنه تسبب فى أواخر الثمانينيات فى خسائر سنوية لها تبلغ نحو 30مليون جنيه، وألقت به فى زمن الخصخصة فى جعبة هيئة النقل العام لمحافظة القاهرة، التى فشلت فشلاً ذريعاً فى عملية تشغيله، بعدما تدهورت أحواله الفنية تماماً، بسبب تهالك القطارات وخروج المهندسين والفنيين والعمال المتخصصين، الذين كان لديهم الخبرة والقدرة على تشغيله بأقل الإمكانات إلى المعاش.. وبدأت الأعطال تتزايد، لاسيما مع مشكلة المياه الجوفية التى تسربت تحت قضبانه فى منطقة كوبرى القبة، وذهبت وعود الحكومة سراباً بتخصيص موازنة مالية تبلغ 150مليون جنيه- كما صرح وقتها د.محمود شريف وزير الإدارة المحلية- الذى عجز عن فرض رؤيته الإصلاحية الوطنية.
ولكن ظلت قضبان المترو فى ضاحية مصر الجديدة بلا قطارات، بعدما بدأت تتهالك واحداً وراء الآخر، حتى تم رفع هذه القضبان نهائياً مع مخازن التشغيل ومحطات الصيانة، التى تحولت الآن فى ميدان روكسى- على سبيل المثال- إلى محال كشرى وألعاب ترفيهية، وصار مترو مصر الجديدة مجرد ذكرى وصور تتداول على السوشيال ميديا تتباكى على الزمن الجميل الذى ضاع.
صحيح، عوّض الله سكان مصر الجديدة والقاهرة ككل بمترو الأنفاق العملاق الذى تأخذ الدولة الآن على عاتقها عملية مد خطوطه الكبرى فى كل أنحاء القاهرة، وأيضا لمحافظة الإسكندرية.. ولكن كان خسارة كبيرة فقدان مترو مصر الجديدة، الذى ارتبط تاريخياً بهذه الضاحية وساهم فى تعميرها على مدى قرن من الزمان.. ولكن كان لرجال الخصخصة فى حكومات ما قبل يناير رأى آخر يتعامل فقط بمبدأ المكسب والخسارة، ونسبت شركة مصر الجديدة فضل هذا المترو عليها قبل المواطنين أنفسهم، وأنه ساهم فى تعمير الضاحية ورفع سعر متر الأرض التى كانت تستثمر ببيعه عند إنشائها من جنيه واحد إلى عشرات الآلاف، وصار سعر الشقة الآن فى منطقة شيراتون أو هليوبوليس الجديدة يتجاوز عدة ملايين، وكان من الطبيعى أن يظل المترو فى حضن الشركة يحافظ عليه وتنفق وتطوره، لا أن تأكله لحماً وتتركه عظماً لتلقى عليه رصاصة الرحمة فى حين أن مثله مازال يعمل فى كبرى عواصم أوروبا، ونأمل أن نعمل على الحفاظ على باقى معالم الضاحية لتكون شاهداً على تاريخها العريق.
>>>
وبعيداً عن حديث الشجن، اطمئن أهلنا فى الاسكندرية أن ترامهم التاريخى الجميل سوف يبقى وسيعود أكثر بهاءً وتألقاً لأن كل معالم مصر التاريخية وأيضا مشروعاتها القومية الجديدة، هى الآن فى أيد أمينة تتعامل مع الوطن والمواطن بأمانة ومسئولية وخطط علمية وسياسية مدروسة.









