المدينة الفاضلة.. مدينة خيالية كان يحلم بها أفلاطون، يسكنها أُناس طيبون يعيشون فى سلام لا يعرفون الحقد ولا الحسد، رمز للكمال الإنسانى والاجتماعى، وتوفر الأمن والأمان لساكنيها الذين يحب كل منهم الآخر، ويعيشون فى انسجام، متساوون فى الحقوق والواجبات.
ومن طبيعة الإنسان أنه يبحث عن السعادة فى الثروة والجاه والملذات، وإذا لم تحكمه التعاليم الدينية والمعايير الأخلاقية، فإنه يغوص فى الفساد والطغيان والظلم وارتكاب كل الموبقات وأبشع الجرائم، متجاوزا كل الحدود وربما تخطى ما تفعله البهائم والوحوش.
والحياة ليست كلها «شيطانية ولا ملائكية»، لأن الذين يعيشونها بشر، منهم الأخيار ومنهم الأشرار، الصالحون يجدون لذتهم فى الاستقامة والعدل والخير، أما الطالحون فيجدون لذتهم فى الفساد والخروج عن الفطرة، وكلما وصلوا إلى متعة بحثوا عن غيرها ولا يتوقفون مهما تجاوزت الخطوط من البشاعة.
من النوع الثانى ما أثير مؤخرا، عن جزيرة الشيطان، أو فضيحة جيفرى إبستين، رجل الأعمال والملياردير اليهودى الأمريكى، الذى كان يمتلك جزيرة من عام 1998 حتى العثور عليه مشنوقاً فى زنزانته عام 2019، ونشرت وزارة العدل الأمريكية ملفات تحقيق عن فصل جديد، بقائمة طويلة من الوثائق والأسماء البارزة والصور الصادمة فى واحدة من أخطر الملفات بارتكاب جرائم جنسية بحق الأطفال، والإتجار بالبشر، واستقطاب أكثر من 1000 فتاة قاصر ومراهقة، تعرضن للاغتصاب والعنف.
ولست هنا بصدد تكرار نشر جرائم إبستين، إذ يعف القلم كما يعف اللسان عن ذكرها، بما تحويه من معلومات وتصرفات مقززة، تطال عددا كبيرا من الشخصيات من زعماء وقادة وملوك وأمراء ورؤساء فى العالم، وخاصة الغرب، رجالا ونساء، ومليارديرات وساسة ومشاهير.
ثلاثة ملايين صفحة، من الوثائق و2000 مقطع فيديو و180 ألف صورة، تظهر مشاهد مروعة وسقطات أخلاقية وإجرامية لنخبة منحرفة، وتفاصيل تزكم رائحتها الأنوف، ورسائل بذيئة تكشف عن أخلاقيات الغرائز البهيمية.
كانت الصحفية جولى براون فى «هيرالد ميامى»، نشرت سلسلة خطيرة حول القضية بعنوان «انحراف العدالة» بعد فحص أكثر من 10,000 وثيقة، من محاضر محاكم وملفات الشرطة، ومقابلات مع ضحايا، تحدث بعضهن عن تجاربهن المريرة، وكشفت براون كيف استطاع إبستين الإفلات من العقاب بفضل ثروته وشبكة علاقاته.
وتذهب بعض التفسيرات إلى أن إعادة فتح خزانة الأسرار الفضائحية فى هذا الوقت، وراءه أهداف مشبوهة، ومقاصد قذرة لا تختلف عن نوعية ما يحتويه الملف، ويربطون بين مستنقع إبستين وأجهزة مخابرات، تدير «جزيرة الشيطان»، بعقلية استخباراتية عنكبوتية، تضغط وتؤثر على الضحايا الصغار من الأطفال بانتهاك إنسانيتهم وقتلهم بدنيًا ومعنويًا، واستخدمت الانحراف الأخلاقى، وصنعت أوراق ضغط، لجعل القرار السياسى لخدمة مصالحها، وإخضاع قادة وتحويلهم إلى دمي، باستغلال نزواتهم، بالرذيلة والابتزاز وتوجيههم لاتخاذ أخطر قرارات تؤثر فى العالم، بما يتجاوز الخيال والدراما، فكان «الزعماء» مجرد قطع شطرنج يتم تحريكها كما تحلو اللعبة وتتحقق المكاسب.
وقد أصدر بعض من وردت أسماؤهم فى الوثائق بيانات أعربوا فيه عن ندمهم الشديد عن تلك «الورطة» واعتذروا عن العلاقة مع إبستين، وبعضهم استقال من منصبه ومنهم من حاول «عبثا» نفى ما نسب له، وآخرون هددوا بهدم المعبد على الجميع إذا لم يتم إغلاق الملف الذى يتسع كل يوم ويصبح من الصعب إخفاؤه.
الحمد لله ليس بيننا ولا منا هذه النوعية، ولكن يتكشف سبب محاربة الغرب لبلادنا بتصدير الفسق والفجور، وثقافته تدعى التحرر والديمقراطية، يدافعون عن الحيوان، بينما يذبّحون الأطفال والنساء، ويحاولون دفعنا لنتخلص من القيم والأخلاق والتعاليم الدينية، التى ترفض الانحراف، ويثيرون ما يسمى بصراع الحضارات، ليفرضوا علينا انحرافاتهم ويغرسوا فى أبنائنا بذور الفسق والفجور، وتكشف قضية أبستين زيف هذا العالم وتسقط عنه آخر ورقة توت يتستر بها، وعلى الذين يتفاخرون ويتغنون بالغرب أن يراجعوا أنفسهم، ويصححوا أفكارهم، لأنهم مخدوعون وهم لا يشعرون، أو أنهم مثلهم.
بكل أسف فإن معنى المدينة الفاضلة أى «المكان الذى لا وجود له»، وهى حلم الإنسانية الذى لم يتحقق، بسبب قوى الفساد والشر، ولم يسجل التاريخ أى ظهور أو وجود لمدينة فاضلة، بينما شهد المئات من المدن السيئة والشيطانية.!









