أتذكر عبارة مهمة قالها الرئيس عبدالفتاح السيسى تعكس حالة البعض منا الآن، انتوا بتظلموا الدعاء، وظلم الدعاء، يعنى التواكل وعدم الأخذ بالأسباب التى دعا لها المولى عز وجل، وهى السعى والاجتهاد وترك النتائج على الله، ومع السعى وبذل الجهد يتحقق الدعاء، من هنا، هناك ظاهرة غريبة، أطالب الأزهر ووزارة الأوقاف والمجلس الأعلى للإعلام التصدى لها، حيث انتشرت فى الفترة الأخيرة على وسائل التواصل الاجتماعى واليوتيوب بعض الأشخاص أو من يدعون أنهم مشايخ وغيرهم، يخبرك، قل هذه الكلمات، قل هذا الدعاء، اقرأ هذه الآية، ولا يوجد سند فى القرآن أو السنة، ويبشرك بأنك ستحصل على مال كثير فى الصباح وقبل أن يبدأ يطالبك بعمل «لايك»، حتى تعم الفائدة وغيرها من المضامين التى تضع الدين فى خانة الاختيار، مع البسطاء، ومن لا يفهمون دينهم وجوهره وغاياته، والسؤال ماذا عن موقف هؤلاء إذا لم يتحقق ما قاله هولاء المشايخ المدعون، ظنى أن هؤلاء يبحثون عن المشاهدات و«اللايك» من أجل تحقيق مكاسب، وللأسف الآن دخلت على الخط شخصيات ترتدى الزى الأزهرى وهناك من هم على صواب، ويذكرون النصوص الثابتة والأحاديثة النبوية الشريفة الصحيحة وهذا فيه خير، وان لزم لهؤلاء أن يؤكدوا للناس أن العمل والسعى عبادة دعا إليها المولى عز وجل ورسوله، و»اسعوا فى الأرض»، و»كلوا من رزق الله»، فالسعى أساس وجوهر القضية وكلمة السعى والحث عليه موجودة فى الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فالنبى «صلى الله عليه وسلم» وجد رجلاً يتعبد فى المسجد ويقيم فيه بشكل ملفت، فسأله النبى «صلى الله عليه وسلم» من ينفق عليك قال أخي، قال النبى له أخوك «أعبد منك».
هذه الظاهرة خطيرة، إذا أسىء الحديث من طلب الرزق، وعدم بناء وعى حقيقى وفهم لجوهر الدين، وربما اعتبرها قد تسيء إلى الدين وهو ما يتطلب وقفة حازمة، يقودها الأزهر مع وزارة الأوقاف والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام من خلال رؤية ومواجهة مشتركة كل طرف يؤدى فيها دوره المتفق عليها وإذا ارتأى الأزهر والأوقاف الخطر فإن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قادر على منع مثل هذه الرسائل المسيئة إلى الدين والتى لاتمت له بصلة، ويجب أن نقول للناس ما استقر عليه الدين الصحيح، والأحاديث النبوية الثابتة، والتى تؤكد على أهمية الجمع بين الدين والدنيا، أن تسعى وتعمل وتعبد الله حق عبادته، فالمولى عز وجل قادر على أن يهب الإنســان أى شىء، فهو الرزاق ذو القوة المتين، ويبسط الرزق لمن يشاء، لكن المولى عز وجل لم يغفل الدعوة إلى السعى والعمل والأخذ بالأسباب، وقال أحد الصالحين ما فائدة أن طالب يظل طوال الليل والنهار يدعو لكنه لا يذاكر دروسه ولا يؤدى دوره فى تحصيل العلم، هل سينجح ويتفوق دون هذه الأسباب من الاجتهاد وبذل الجهد والسعي، قلت لا قال هكذا هى الدنيا، لابد أن تسعى وتعمل وتجتهد لكن الظاهرة ليست بالهينة، وقد تصل الرسالة إلى الصغار والبسطاء أو المتكاسلين تجعلهم على قناعة بالاكتفاء بالدعاء، وترديد مثل هذه الكلمات.
لذلك أطالب وزير الأوقاف بدعوة أئمة وخطباء المساجد بتخصيص بعض خطب الجمعة للحديث عن هذه الأمور وموقف هذه الظاهرة، وتوعية الناس بهذا الأمر، ومتطلبات النجاح والرزق، وأيضًا استجابة الدعاء، وربما يكون شهر رمضان الكريم فرصة عظيمة لبناء وعى شامل من كثير من القضايا والظواهر التى انتشرت خلال السنوات الأخيرة بسبب التطور الهائل فى وسائل الاتصال والتواصل وباتت المنصات تجمع كل من هب ودب للحديث فى أمور لا يتحدث فيها إلا العلماء والمتخصصون، وربما لا تقل خطورة عن فوضى الفتاوى التى ذاعت فى بعض الفترات الماضية، لذلك فإن قضية التصحيح والإصلاح وبناء الوعى الدينى الحقيقى مهمة للغاية، لأن انتشار مثل هذا المحتوى والمضمون قد يرسخ ثقافة التواكل أو وضع الدين أمام اختيار وفيه إساءة للعقيدة وزعزعة الإيمان.
الغريب فى مضــامين هـــؤلاء، أنهـــم يتحدثــون بثقـــــة كما أن وصفات علاج السحر والحسد والمس وجلب الحبيب انتشرت بشكل لافت، وعلى الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء التحرك سريعاً ووضع أسس العلاج الشرعى الصحيح لمواجهــة مثل هـذه الأمراض الروحيــة أوالنفســية، كما انتشرت ظاهرة التنبؤات والتوقعات والأبراج والتاروت وكشف الفنجان وفتح أشياء غريبة وعجيبة تتجافى مع الإيمان الراسخ.. لذلك لابد من تقوية المناعة الدينية وبناء الوعـى الدينى الصحيح ومقاصد الشريعة والسُنة النبوية، وهناك أمور علينا أن نركز عليها فى خطبة الجمعة، مثل الحلال والحرام والجشع والاحتكار والمغالاة وإتقان العمل والصدق والأمانة، فالدين المعاملة ولا يقتصر فقط على العبادات أو أداء الفروض، فهى بطبيعة الحال أساسية وجوهرية، لكن التزام المرء بالخلق القويم والتحلى بالصفات الحميدة من جوهر الدين، فالنبى «صلى الله عليه وسلم» يقول: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ويصفه المولى عزوجل بقوله: «وإنك لعلى خلق عظيم»، وقالت السيدة عائشة رضى الله عنها عن النبى صلى الله عليه وسلم: «كان قرآناً يمشى على الأرض»، ونحن فى أشد الحاجة إلى الاقتداء بأخلاق سيدنا محمد «صلى الله عليه وسلم»، ولابد من خطاب دينى يصدر للناس بما يتسق مع قضاياهم ويومياتهم وتعاملاتهم وأيضا يتصدى للشطط والانحراف عن المنهج الديني.. نريد حراكاً دينياً يبنى الوعى الحقيقى ويفهم الناس أمور دينهم بشكل صحيح، لبناء الشخصية القوية السوية التى تلتزم بصحيح الدين، تعمل وتسعي، تتوكل ولا تتواكل، تأخذ بالأسباب مع الدعاء وحُسن العبادة، تعظم من قيمة العمل وإتقانه وبذل الجهود لتحقيق النتائج المرجوة.. وفى النهاية، التوفيق بيد الله عز وجل.. لذلك علينا أن نتصدى بقوة لمحاولات «لخبطة» الناس وإرباكهم ودرء الفوضى التى يخلقها تجار وأدعياء الدين، «واسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون»، وهو أمر مهم وعلى المؤسسات الدينية أن تقوم بدورها فى مقاومة ومكافحة والقضاء على مثل هذه الظواهر السيئة والسلبية.









