لم يكن المصري القديم في حاجة إلى أن يُسمي ما نسميه اليوم “تنمية مستدامة”؛ وذلك لأنه عاشها كقانون كوني لا يُناقش. لقد بُنيت الحضارة المصرية على فهم دقيق لمعنى الاستمرار دون اختلال أو خطأ، بل على إيمان عميق بأن بقاء الحياة مرهون بتحقيق التوازن بين الإنسان والطبيعة والزمن.
كانت “ماعت” إلهة الحق والعدل والنظام الكوني، وهي ليست مجرد رمز ديني فحسب، بل كانت فلسفة حكم ومنهج حياة، تُلزم الإنسان بألا يأخذ من الأرض أكثر مما يستطيع أن يرده إليها في صورة نظام واستقرار.
في مصر القديمة، لم يكن النيل مورداً مائياً يُستنزف، بل كان شريكاً في الوجود؛ تُدار مواسمه وتُحترم دوراته، ويُبنى العمران وفق إيقاع النهر لا ضده. لم تُشيَّد المعابد لتخدم جيلاً واحداً، بل لتخاطب الخلود، ولم تُصمم المدن بعشوائية اللحظة، بل بعين ترى المستقبل وامتداد الحاضر. وهكذا فهم المصري القديم التنمية؛ فهي فعل بقاء طويل الأمد، لا انتصاراً مؤقتاً.
إن المعنى الحقيقي للتنمية المستدامة حين نقرأه في ضوء الحضارة المصرية القديمة، يكشف لنا أنها ليست مفهوماً حديثاً بقدر ما هي ذاكرة إنسانية قديمة أعادت الحضارات الحديثة اكتشافها بعد أن دفعت ثمن تجاهلها؛ فالتنمية المستدامة ليست أن نملك الأرض، بل أن نعيش بانسجام معها. لقد أراد المصري القديم أن يترك أرضاً متزنة لمن سيأتي بعده؛ كي تستمر دورة الحياة دون انهيار.









