يتأهب المسلمون فى كل مكان لاستقبال الشهر الفضيل «شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان» والتأهب يكون لتوطين النفس على الأعمال الصالحة، وتطهير القلب من شوائب أمراض القلب، ويكون ذلك بذكر الله سبحانه وقراءة القرآن الكريم يقول تعالي: «الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» ويتطهر القلب كذلك ويسمون بالإكثار من الصدقات، والعفو عمن ظلم، وصلة من قطع، وإعطاء من منع ، وذكر الآخرة، وتأمل الموت، وزيارة القبور وتذكر أحوال الراحلين، زيارة المستشفيات حيث المرضى فتبين نفسه ويرق قلبه وتهون لديه فى كل مصيبة، وتجتاحه قشعريرة الخشوع المتضرع ،النادم على خطيئته، الزاهد فى زخرف الحياة وشهواتها فيبدأ شهر الصيام وقد أخلى قلبه من أمراضه وحلاه بذكر الله والسعى إلى مرضاته فسيستقبل المنحة الربانية والفرصة الزمانية خير استقبال فشهر رمضان عطية إلهية لمن يغتنمها ،فيغفر الله له فيها ذنبه ويضاعف أجره ويتعرض الصائم فيها لنفحاته وبركاته، وهو ما يذكرنا به صلى الله عليه وسلم بقوله: «ألا إن لربكم فى أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها» وقد فرض الصيام فى شهر شعبان بالسنة الثانية للهجرة أى أن الله سبحانه وتعالى أنزل أمره للمسلمين بصيام شهر رمضان فى شهر شعبان فنزل قوله تعالي: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» والمتأمل فى الآية يجدها بدأت بخطاب استئناسى أى أن المخاطب يستخدم أسلوبا يستأنس ويطمن به من يخاطبه فوصفهم الله بالمؤمنين كأنه يقول يامن آمنتم بى أى يامن أحبكم وتحبونى، ومادام يحبهم ويحبونه ، فلن يكلفهم مايضرهم أو يشق عليهم، وإنما يكلفهم بما ينفعهم لأنهم أحبابة .. لم يتوقف الأمر عند ذلك بل أخبرهم أنهم ليسوا وحدهم من أمروا بالصيام، وإنما هو أمر كلف به الذين من قبلهم كأنه يواسيهم فيما يجدون من مشقة فهم ليسوا وحدهم ، فالصيام كما يخبرنا مفسر العصر الشيخ محمد متولى الشعراوى -رضى الله عنه- فعل قائم على مدى الزمان وعلى كل أمه وإن اختلف فى طبيعته من أمة لأمة ومن عصر لعصر لأن الصيام هو الامساك، وقد يختلف الإمساك هذا من عصر إلى عصر ومن أمة إلى أمة فهناك من كان يمسك عن بعض الطعام وليس كله، وهناك من كان يمسك عن الكلام وهناك من كان يمسك عن الطعام والشراب عدة أيام ليل نهار ،فلا يفطر أبدا.. ثم يعلل المولى سبحانه تعالى للمؤمنين سبب فرضه هذه الشعيرة التى تبدو لهم شاقة فيقول «لعلكم تتقون» ولعل تستخدم فى الرجاء،كأنه يقول لهم رجاء التقوى ،والتقوى تجنب غضب الله بتجنب أسباب غضبه التى هى المعاصى فالله سبحانه يحدثهم حديث المحب لهم الرءوف بهم فيقول لهم أسباب أمره لهم . الحقيقة أن الصيام من شأنه أن يهذب ويضعف طغيان الدوافع المادية فى النفس البشرية فيضعف نوازع شهواتها وهذا ما فهمه العلماء من قوله تعالى « لعلكم تتقون».
إذن فلكياً يتحقق الصيام الكامل التى تصوم فيه جوارح الإنسان كلها وليس بطنه وفرجه فقط عليه أن يتهيأ بما يصلح قلبه فيتحلى بكل ماهو جميل ويتخلى عن كل ما هو قبيح فيكون قلبه صالحاً للنور الذى يتجلى عليه وصالحا لاستقبال النفحات دون عوائق من أدران النفس وسيئات الأعمال .
ولأنه شهر الصيام تلك الشعيرة التى تتمحور حول الاخلاص لله سبحانه وتعالى ومراقبته فى السر والعلن فلا رقيب على الإنسان فيه إلا نفسه فلم يحدد الله سبحانه له أجرًا وجعل الاجر عليه سبحانه وجعل الصيام له ذاته حيث يقول فى الحديث القدسى كما أخبرنا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه : «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لى وانا أجزى به».









