فى يوم عادي، عدتُ إلى منزلى بعد مجهود شاق وساعات عمل طويلة، وبمجرد جلوسى على أول كرسى قابلنى، نظرتُ إلى قدميّ، ثم قررت فى لحظة هدوء مخادعة، أشترى جزمة.
للأسف الشديد، لم أكن أتوقع أن هذا القرار البسيط سيقلب يومى رأسًا على عقب، ويجعلنى أشعر وكأنى داخل مهمة مستحيلة، لا مجرد مواطن يريد شراء حذاء يمشى به فى أمان.
أول ما الفكرة خطرت فى بالي، وجهّزت الميزانية اللازمة على قدّ إمكانياتي، الموبايل سخن فجأة. تحوّلت منصات التواصل الاجتماعى إلى معرض جزم مفتوح 24 ساعة،جزم بتجرى، جزم بتطير، وجزم تشعر أنك لو لبستها هتترقّى لوحدك فى الشغل، وهتوصل لمناصب كنت تحلم بها وأنت لابس شبشب البيت.
صور تحفة، جلد لامع، وإضاءة تخليك تشك إن الجزمة دى مش للمشى، دى للتصوير بس. عبارات من نوعية: «خامة مستوردة»، «جودة أوروبية»، و«راحة لا مثيل لها». تدخل على التعليقات تلاقى الناس منقسمة نصين: ناس بتقول «الجزمة اللى وصلت غير اللى فى الصورة»، و»الخامة غريبة»، و «طلبت مقاس 42 جالى 38 بس مكتوب عليه 42»، وناس تانية تقول: «كله تمام التمام».. تحس إنك داخل مقامرة مش تسوّق، وكل ضغطة زر فيها مغامرة.
قلت خلاص.. الأونلاين بلاش منه. خلّينا فى المحلات، الحاجة اللى تشوفها وتلمسها أحسن ألف مرة. دخلت محل ماركة عالمية «كنت أشترى منه زمان»، وقفت قدام الجزمةاللى عجبتنى وقفة احترام، بصّيت للسعر.. وسكت.. السعر محتاج «جمعية». بصّيت لجزمتّي، اللى كانت أيام ما «ماركة»، وقلت لها فى سري: «فين أيامك لما كنتِ الجزمة عليها حزام هدية».
وفى نص رحلة البحث على «الجزمة»، ظهر حل عبقرى: المستعمل، أو كما يطلق عليه البعض «البالة السوبر» كنوع من التفخيم. جزمة شكلها كويس وماركة، لكن عندها ماضٍ، والماضى ده ممكن يكون أسود. تلبسها وأنت حاسس إن فى حد قبلك عاش بيها حكايات، جري، واتخانق، ويمكن اتزحلق. المشكلة إن سعر المستعمل مش رخيص، وبيعدّى الألف جنيه.
بعد لف ودوران، اكتشفت إن الأزمة مش أزمة سعر جزمة، دى أزمة سوق، أسعار طايرة، جودة مش مضمونة، وكل واحد بيبيع على مزاجه. لا فى معيار، ولا فى قواعد، ولا حد حاسس بالمشترى اللى داخل يجيب حاجة يمشى بيها، مش يستثمر فيها.
الحمد لله، نجحت فى طرد الفكرة الشيطانية من دماغي، وقررت أسلك طريقًا أكثر حكمة. اتجهت إلى «باب الفتوح»، حيث محلات «ترويق» الأحذية. وعلى الفور اشتريت ورنيشًا، وفرشاة، ومنظفًا، وادوات اصلاح وترميم وقررت أعمل «عمرة» وإعادة تدوير للأحذية. صحيح مجهود ووجع، لكنه أهون كثيرًا من الوجع اللى فى «الجيب».









