لم يكن انتهاء اتفاقية الحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا حدثًا قانونيًا عابرًا، ولا مجرد محطة إجرائية فى مسار تفاوضى متعثر، بل يمثل لحظة كاشفة لانهيار منظومة كاملة حكمت السلوك الدولى منذ نهاية الحرب الباردة. نحن لا نعيش فقط نهاية اتفاقية، بل تعطّل «مكابح» كانت تمنع انزلاق النظام الدولى إلى حافة الهاوية النووية.
طوال عقود، لم تكن اتفاقيات ضبط التسلح تعبيرًا عن حسن نية متبادل، بل نتاج إدراك بارد وعقلانى بأن الحرب النووية لا رابح فيها. من «سالت» إلى «ستارت» ثم «نيو ستارت»، كانت هذه الاتفاقيات بمثابة إدارة للصراع لا حله، ووضع حدود دنيا تمنع الانفجار غير المقصود. بانتهاء «نيو ستارت»، آخر هذه السلاسل، يدخل العالم مرحلة جديدة بلا قواعد ملزمة بين أكبر قوتين نوويتين.
الخطر الحقيقى لا يكمن فقط فى احتمال زيادة عدد الرءوس النووية أو تطوير وسائل إيصال أكثر فتكًا، بل فى تفكك منطق الردع المستقر نفسه. الردع فى صيغته الكلاسيكية كان قائمًا على الوضوح، وقابلية التنبؤ، وآليات تحقق تقلل من سوء الفهم. أما اليوم، فنحن أمام بيئة استراتيجية يسودها الغموض، وانعدام الثقة، وتراكم الأزمات، ما يجعل أى خطأ حسابى محتملاً… وكارثيًا.
لفهم لماذا تعطّلت هذه المكابح، لا بد من تجاوز السردية التبسيطية التى تُحمّل الحرب فى أوكرانيا وحدها مسؤولية الانهيار. صحيح أن الحرب شكّلت المسرّع الأكبر، لكنها ليست السبب الجذري. السبب الأعمق يتمثل فى تفكك النظام الدولى الذى نشأ بعد 1991، حين سادت أوهام الأحادية القطبية، واعتقد الغرب أن قواعد اللعبة تُفرض من طرف واحد، وأن الاتفاقيات تُحترم فقط ما دامت لا تقيّد التفوق.
من وجهة النظر الروسية، لم تكن «نيو ستارت» معاهدة تقنية فقط، بل جزءًا من معادلة توازن أوسع. توسع الناتو شرقًا، تفكيك اتفاقية الصواريخ متوسطة المدي، عسكرة الفضاء السيبراني، ونشر منظومات دفاع صاروخى قُرب الحدود الروسية، كلها خطوات رأت فيها موسكو إفراغًا تدريجيًا للاتفاقيات من مضمونها. ومع الحرب فى أوكرانيا، انتقل الصراع من التنافس إلى ما يشبه المواجهة الوجودية غير المعلنة.
أما الولايات المتحدة، فوجدت نفسها أمام معضلة مزدوجة: مواجهة روسيا فى أوروبا، واحتواء الصين فى آسيا. فى هذا السياق، أصبحت اتفاقيات ضبط التسلح – التى تفترض ثنائية قطبية واضحة – غير متلائمة مع عالم متعدد الأقطاب. كيف يمكن لاتفاق ثنائى أن يضبط ميزان قوة ثلاثى أو رباعي؟ هذا السؤال، بدل أن يقود إلى تطوير إطار جديد شامل، قاد عمليًا إلى ترك الإطار القديم ينهار من دون بديل.
هنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة: غياب البديل. فالعالم لا يواجه فقط نهاية «نيو ستارت»، بل يواجه فراغًا مؤسسيًا كاملا فى مجال ضبط التسلح النووي. لا توجد مفاوضات جادة معلنة، ولا ثقة سياسية تسمح بإطلاقها، ولا إرادة حقيقية لدى القوى الكبرى لإعادة بناء منظومة قيود ذات معني. النتيجة هى عودة منطق «الأمن بالقوة» فى أكثر صوره تطرفًا.
سياسيًا، يعكس هذا التحول انتقال النظام الدولى من مرحلة إدارة التنافس إلى مرحلة إدارة المخاطر. لم يعد الهدف منع الحرب، بل الاستعداد لها مع محاولة إبقائها دون العتبة النووية. لكن التاريخ يُظهر أن اللعب على الحواف لا ينتهى دائمًا كما يُخطط له. فكلما زادت أدوات الدمار، وضاقت قنوات التواصل، ارتفعت احتمالات الانزلاق غير المقصود.
بالنسبة لبقية العالم، وخصوصًا مناطق الهشاشة السياسية مثل الشرق الأوسط، فإن تعطّل المكابح النووية فى المركز يعنى تصاعد الفوضى فى الأطراف. حين تغيب القواعد بين الكبار، تُترك الصراعات الإقليمية بلا سقف، وتتحول الدول الضعيفة إلى ساحات تصفية حسابات. ليس من قبيل المصادفة أن يتزامن هذا الانهيار مع تصاعد الحروب بالوكالة، وتآكل القانون الدولي، وتراجع أى حديث جاد عن الأمن الجماعي.
انتهاء الاتفاقية لا يعنى أن الضربة النووية باتت وشيكة، لكنه يعنى أن العالم دخل مرحلة أعلى من الخطورة وأقل من الضبط. مرحلة تُدار فيها الأزمات بلا فرامل موثوقة، وبعقلية تفترض أن السيطرة ممكنة دائمًا. هذه الفرضية تحديدًا هى أخطر ما فى المشهد، لأنها تجاهلت دومًا حقيقة بسيطة: الحروب الكبرى لا تبدأ بقرار عقلاني، بل بخطأ.
فى النهاية، فإن «مكابح نووية معطّلة» ليست توصيفًا مجازيًا، بل توصيف دقيق للحظة تاريخية يتراجع فيها العقل الاستراتيجى لصالح الغرائز الجيوسياسية. والسؤال الذى يجب أن يُطرح اليوم ليس متى ستُوقّع اتفاقية جديدة، لا تضم فقط أمريكا وروسيا ومعهم الصين والاتحاد الأوربى ، بل كم أزمة أخرى يمكن للعالم أن يتحملها قبل أن يكتشف أن المكابح لم تكن تفصيلا ثانويًا، بل شرط البقاء نفسه.









