نشرت مجلة “العلوم” الشهيرة في عام 1973 تجربة أجراها عالم النفس (ديفيد روزنهان) تحت عنوان “أن تكون عاقل في أماكن مجنونة” حيث اختار (روزنهان) مجموعة من العقلاء تظاهروا بالهلوسة لدخول مستشفيات الأمراض النفسية ثم تصرفوا بصورة طبيعية بعد ذلك، لكن تم تشخيصهم باضطرابات نفسية وتم إعطائهم عقاقير مضادات نفسية.
وجاءت نتيجة الدراسة بعد التجربة لتثبت أنه من غير الواضح إمكانية التمييز عند التشخيص بين العاقل وغير العاقل.
وأوصت الدراسة بضرورة تثقيف العاملين في مجال الطب النفسي وعلم النفس لتفهم الأبعاد الإنسانية والاجتماعية المصاحبة للمرافقين.
ويقال أحيانا في الحياة عامة وفي أماكن العمل خاصة عن أولئك الذين لا يتفاعلون مع الأمور غير المعتادة والفاسدة إنسانياً والتي صارت قاعدة للتعامل بين العقلاء أنهم مجانين.
لكن هناك وجهة نظر مضادة تطرح فكرة أن التظاهر المفرط بالمرض تضع المعالج في مأزق التشخيص أو الحكم بالمرض.
ومن ثم فإن المبالغة في السلوك الإنساني قد تكون علامة على حالة نفسية غير سوية. وفي مسرحية (توفيق الحكيم) نهر الجنون يحكي أن بلداً ما فسد مورد الماء به، وكل من يشرب منه يصبح مجنوناً، مما جعل ملك هذا البلد ووزيره لا يشربان منه بل يحضران حاجاتهما من الماء من بلد آخر، ومن ثم أصبح الملك ووزيره هما العاقلان الوحيدان بالبلد ويحكمان شعباً مجنوناً، غير أنه في نهاية المسرحية يضطر الملك ووزيره أن يشربا مثل سكان البلد من ماء الجنون، وعندئذ يمكنهما الحكم بجنون على شعب مجنون.
وهذه الحكاية الرمزية لها دلالتها الواضحة. وفي الحياة اليومية نعاين هذا اللبس أو الاشتباه بين ما هو عاقل وما هو مجنون، وأصبح يقال من باب السخرية أو التهكم أنا لا عاقل ولا مجنون، فماذا يكون هذا المعنى؟ هل يتداخل العقل مع الجنون في لحظات معينة. ولعل الأحداث والفضائح المعلنة أخيراً على العالم بأسره تضعنا في حيرة بالغة، وتجعلنا نسأل: كيف لهؤلاء العقلاء أن يمارسوا هذا اللون من الجنون؟ وتظل المشكلة الأخطر أن هؤلاء العقلاء – المجانين يديرون دفة الأمور في بلادهم بل ويؤثرون في الشأن العالمي.
وبالنسبة لتجربة “روزنهان” فقد قامت إحدى المستشفيات الكبرى بإعلان التحدي له ، وأن بإمكانها التمييز بين العقلاء والمرضى النفسيين، وتم الاتفاق على أن يرسل لهم (روزنهان) خلال ثلاثة أشهر مرضى مزيفين ، وفي نهاية الأشهر الثلاث، أعلنت المستشفى أنها اكتشفت 41 مريضاً مزيفاً و42 مشتبه فيهم، لكن كانت المفاجأة أن (روزنهان) لم يرسل أي شخص على الإطلاق! ويعبر المبدع (عبد الرحيم منصور) مع لحن (أحمد منيب) في رائعة (محمد منير) حدوتة مصرية عن هذه الحيرة بين العقل والجنون فيقول: مين العاقل فينا، مين مجنون؟…. مين اللى ظالم فينا مين مظلوم؟









