فى ظل الطفرة التكنولوجية المتسارعة واقتحام المنصات الرقمية لتفاصيل حياتنا اليومية، باتت قضية حماية الأطفال من مخاطر الفضاء الإلكترونى واحدة من أهم التحديات التى تواجه المجتمعات، ومن هذا المنطلق، جاء قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام فى مصر بحجب لعبة «روبلوكس» رسميا، كخطوة تستهدف حماية القيم الأخلاقية والتربوية للأطفال، والحد من الآثار النفسية والسلوكية المرتبطة باستخدام المنصة، خاصة فى ظل ما أثير حولها من مخاوف تتعلق بالمحتوى غير الملائم للأطفال.
القرار المصرى لم يأت من فراغ، بل تزامن مع تحركات دولية لافتة، حيث أعلنت الجهة المعنية بحماية المستهلك فى هولندا، قبل أيام قليلة، فتح تحقيق رسمى مع منصة الألعاب بشأن المخاطر المحتملة التى قد يتعرض لها الأطفال أثناء استخدامها، وهو ما يعكس إدراكا عالميا بخطورة بعض المنصات الرقمية التى تقدم تحت غطاء الترفيه، بينما تحمل فى طياتها محتوى قد يؤثر سلبا على نفسية وسلوكيات النشء.
ويُعد قرار حجب «روبلوكس» خطوة إيجابية ومهمة فى مسار حماية الأطفال من محتوى رقمى قد يحض على العنف أو الانحراف ويفتح أبوابا للتواصل غير الآمن، كما يعكس هذا القرار، وعيا بخطورة ترك الأطفال فريسة لمنصات رقمية غير منضبطة، لا تراعى الخصوصية الثقافية والقيم المجتمعية، ولا تضع سلامة الطفل فى مقدمة أولوياتها.
أرى أن التحدى الحقيقى لا يكمن فى قرار الحجب ذاته، بقدر ما يتمثل فيما يجب أن يليه من سياسات وإجراءات، فالحجب رغم أهميته، يظل أداة مؤقتة إذا لم يكن مدعوما بسياسة رقمية استباقية وشاملة، تقوم على توفير بدائل آمنة وجاذبة للأطفال، تجمع بين الترفيه والتعليم، وتخضع لمعايير واضحة تحمى القيم الأخلاقية وتراعى الصفات النفسية والعمرية للنشء.
كما أن أهمية تفعيل أدوات الرقابة الذكية التى تواكب التطور التكنولوجى المتسارع، إلى جانب إطلاق برامج توعية مستمرة تستهدف الأسر والمدارس، لتعزيز الوعى بالاستخدام الآمن للمنصات الرقمية، الأسرة والمدرسة خط الدفاع الأول فى حماية الأطفال، ولا يمكن تحميل الدولة وحدها عبء هذه المسئولية فى عصر بات فيه الهاتف الذكى نافذة مفتوحة على العالم بلا حدود.
إن حماية الوعى الرقمى للأطفال مسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والأسرة، لذا فإن المعركة الحقيقية هى معركة القدرة على بناء أجيال تمتلك مهارات التعامل الإيجابى مع التكنولوجيا، دون الوقوع فريسة لمخاطرها النفسية والسلوكية.
ومن هنا تأتى الحاجة الملحة إلى استراتيجية وطنية متكاملة للأمن الرقمى للأطفال، تضع الإنسان فى صدارة أولوياتها، وتوازن بين حق الطفل فى الترفيه والمعرفة، وحق المجتمع فى حماية هويته، استراتيجية لا تكتفى بالحظر والمنع، بل تبنى وعيا، وتؤسس لمستقبل رقمى آمن، يليق بفلذات أكبادنا .. والله من وراء القصد.









