الحديث الدائر حول مشروع مستقبل مصر، ودوره فى استيراد القمح نيابة عن هيئة السلع التموينية، وما صاحبه من اتهامات وتشكيك، يدفع إلى استحضار تلك الحكمة البسيطة والعميقة فى آن واحد: لا تكسر عكازك على رأس عدوك. فحين تكون فى معركة وجود، يصبح من العبث أن تهدم أدواتك بيدك، أو أن تضعف مساراتك البديلة قبل أن تحسم الصراع مع العدو الحقيقي.
>>>
والعدو المتفق عليه بين الجميع – من دون خلاف – هو الفساد، بكل تجلياته: غياب الشفافية، تشوّش قواعد الحوكمة، تشابك المصالح، وتحول بعض الممارسات غير السليمة إلى ما يشبه «الطبيعي» داخل مفاصل الجهاز الإدارى للدولة. هذا العدو لم يظهر فجأة، بل ترسّخ عبر عقود، وراكم مناعة ذاتية تجعله يقاوم أى محاولة جادة لاجتثاثه.
>>>
فى المقابل، فإن «العكاز» الذى يجب عدم كسره يتمثل فى المسارات البديلة التى جرى استحداثها خلال السنوات الأخيرة، والتى وضع الرئيس عبد الفتاح السيسى خطوطها العريضة بنفسه. هذه المسارات لم تأتِ ترفًا إداريًا، بل كاستجابة مباشرة لعجز مزمن داخل منظومات تقليدية استنزفها الفساد والبيروقراطية. من المبادرات الصحية والاجتماعية، إلى «حياة كريمة»، وصولا إلى المبادرات الاقتصادية والتنموية، كان القاسم المشترك بينها هو الالتفاف على العقد المعطلة داخل الدولة، لا القفز فوقها عبثًا.
>>>
ضمن هذا السياق، يبرز جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة بوصفه أحد أهم هذه الأدوات. الجهاز لا يحتاج إلى دفاع عاطفى أو تبرير سياسي، بقدر ما يحتاج إلى فهم موضوعى لدوره، والتكليفات الملقاة على عاتقه، فى إطار منظومة الأمن القومى المصري، وتحديدًا فى شقها الغذائي. فالأمن الغذائى ليس ملفًا خدميًا، بل مسألة سيادة واستقلال قرار.
>>>
ما حققه الجهاز على مستوى زيادة الرقعة الزراعية يُعد غير مسبوق فى تاريخ مصر الحديث. ملايين الأفدنة أُضيفت خلال سنوات قليلة، قاربت على مضاعفة مساحة الأرض المنزرعة مقارنة بإجمالى ما زُرع عبر عقود طويلة. هذا الإنجاز لا يمكن فصله عن فكرة إنشاء الجهاز نفسها: كيان مرن، خارج القيود البيروقراطية التقليدية، قادر على التحرك السريع والتنفيذ وفق خطة واضحة وأهداف محددة.
>>>
من هنا، يصبح مفهومًا لماذا يُنظر إلى جهاز مستقبل مصر بوصفه جلطة فى شرايين الفساد. فملف استيراد القمح « على سبيل المثال « لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان تاريخيًا أحد أكثر الملفات تشابكًا مع شبكات السمسرة والعمولات، حيث تُسنَد العمليات إلى دوائر محدودة، بعلاقات معقدة تقوم على منطق «شيلنى وأشيلك»، والكل رابح إلا الدولة والمواطن.
>>>
نقل هذا الملف إلى كيان جديد، يعمل وفق منظومة مختلفة، ويخضع لتكليفات سيادية واضحة، يعنى بالضرورة كسر حلقات مصالح، وتجفيف منابع ارتزاق ترسخت لسنوات. ومن الطبيعي، بل والمتوقع، أن يواجه هذا التحول مقاومة شرسة، تستخدم فيها كل الأدوات المتاحة: التشكيك، التشويه، إثارة الشبهات، وخلط الأسئلة المشروعة بحملات منظمة.
>>>
ومن المهم هنا التمييز بدقة:
ليس كل نقد مؤامرة، وليس كل تساؤل سوء نية. فهناك من يطرح أسئلة بحسن نية، سعيًا للفهم واستجلاء الحقيقة، وهذا حق مشروع بل ومطلوب. لكن الخطر الحقيقى يكمن فى تحالف غير معلن بين مصالح متضررة وخطاب يبدو أخلاقيًا فى ظاهره، لكنه ينتهى عمليًا إلى محاربة كل ما يحارب الفساد.
>>>
إن كسر «العكاز» هنا لا يخدم الشفافية، بل يخدم الفوضي، ويعيدنا إلى نقطة الصفر، حيث تظل الدولة رهينة منظومات أثبتت فشلها، بينما تُحارب الأدوات الجديدة لمجرد أنها كسرت احتكارًا أو هددت مكاسب ضيقة. الإصلاح الحقيقى لا يتم عبر هدم المسارات البديلة، بل عبر تطويرها، ومراقبتها، وضمان خضوعها لقواعد حوكمة واضحة، من دون نزع الشرعية عنها أو شيطنتها.
>>>
فى النهاية، المعركة ليست بين جهاز ومؤسسة، ولا بين مبادرة وأخرى، بل بين منطق دولة تسعى لاستعادة قدرتها على الفعل، ومنطق مصالح اعتادت أن تعمل فى الظل. وفى هذه المعركة، لا يجوز كسر العكاز على رأس العدو، لأن العدو الحقيقى لا يزال واقفًا.









