تتعدد الرؤى والتحليات لزيارة الرئيس التركى أردوغان، لكن لا يختلف أحد على أهميتها وأنها إعلان واضح وصريح عن مرحلة جديدة فى العلاقات بن البلدين، مرحلة ستكتب صفحاتها بالتعاون الشامل سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وثقافيًا وصناعيًا.
يقينًا لا أحد ينكر ما كان قبل ذلك من خلافات، لكن هكذا السياسة، لا دوام فيها لحال، وأى خلاف يمكن تجاوزه بالعقلانية والحوار، ويحسب للدولتين فعلًا قدرتهما على تجاوز الخلاف إلى شراكة إستراتيجية تترجم إلى اتفاقيات فعلية على الأرض، وتخطيط لمستقبل مختلف ترتفع فيه كل معدلات التعاون والتبادل التجارى والاستثمارى والسياحى أيضًا، وأبرز ما يتم التركيز عليه الآن بجانب التفاهم والتشاور السياسى المستمر هو الوصول إلى 15 مليار دولار تبادلًا تجاريًا.
فى ملف العلاقات «المصرية – التركية» تتجسد فكرة تجاوز الخلافات بشكل واضح وملهم، فالدول لا يجب أن تعيش دائما فى صراعات، لأن من يدفع الثمن فى النهاية هم الشعوب، ولذلك دائمًا الأفضل للدول أن تتحاور وتبحث عن المشتركات ووسائل للتعاون البناء، وبدلاً من خوض المعارك الطاحنة يمكن أن تستثمر الجهود فى مشروعات مشتركة وتكامل اقتصادي، هذا هو مبدأ مصرى مُعلن منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى، مصر لا تبحث عن صراعات، بل عن سلام واستقرار ونمو، بالتأكيد مصر قادرة على حماية أمنها وحقوقها ومصالحها بالقوة إن تطلب الأمر، والخطوط الحمراء حاضرة وتذكر الجميع بالقوة المصرية.
كما أن مصر لا تقدم تنازلات ولا تتهاون فى حقوقها وأمنها، وهذا ما تؤكده القيادة السياسية دائمًا قولًا وفعلًا، لكن الرئيس السيسى بخبرة وحكمة يدرك تمامًا أن الصراعات والحروب حتى وإن كانت لمدد قصيرة لكن خرابها دائم وتوابعها السيئة مستمرة، بينما السلام ثماره متواصلة للجميع ، وإن الدول عليها ألا تعتمد على المواجهات بل أن تستثمر السلام قدر الإمكان وأن تحول الخصومات إلى مصالح، وبهذا المنطق مصر تمد يدها إلى كل من يرغب فى التعاون طالما أثبت جديته وقدرته على بناء علاقة طيبة، وعندما أبدت تركيا نفس التوجه لم تتردد مصر بل استقبلت هذا الأمر بترحاب وأغلقت صفحة صعبة فى العلاقات بين البلدين لتفتح صفحة أخرى أساسها الاحترام المتبادل والصراحة والوضوح والتشاور، بالتأكيد سيكون لكل دولة حقها فى أن تدافع عن مصالحها الإستراتيجية وأن تختلف فى تعاملها مع بعض الملفات، فهذا أمر طبيعى فى العلاقات الدولية، لكن يبقى أن تظل مساحة التواصل مستمرة والحوار مفتوحًا والتعاون متطورًا.
هذا المنهج المصرى المتسامى على الخلافات والقادر على صناعة السلام فى أصعب الظروف هو الأكثر فهمًا لطبيعة الوضع العالمى الآن والمشتعل لأسباب كثيرة منها يمكن تجاوزه ببساطة إذا جلس المتصارعون على مائدة التفاوض بنوايا حقيقية فى إنهاء الصراع.
وبهذا المنطق يمكن إنهاء الكثير من ملفات الصراع حول العالم، سواء صراعات بين دول أو النزاعات والحروب داخل الدول نفسها.. لكن المهم أن يتوافر الفهم والإرادة الحقيقية للسلام.
ولو أن دولة مثل إثيوبيا حكمت صوت العقل لأيقنت أن النموذج «المصرى – التركى» يمكن أن يتكرر معها، وتتحول خلافاتها التى اصطنعتها مع القاهرة بسبب قضية السد الخبيث إلى تعاون وشراكة، فالقضية ليست بناء سد، وإنما إصرار على تصرفات أحادية وأطماع غير مشروعة وتنفيذ لأجندات أخرى تستخدم فيها إثيوبيا كوسيلة للضغط على مصر لتحقيق مصالح أخرى.
القاهرة كمبدأ لا ترفض الحوار بل سعت إليه وقدمت كل ما يدعم التفاوض الجاد الذى يحترم حق التنمية لإثيوبيا وفى الوقت نفسه يحفظ الحقوق التاريخية لدولة المصب، لكن إثيوبيا طوال السنوات الماضية أثبتت أنها غير قادرة على الحوار وغير مؤهلة للتفاوض، ومع ذلك فالفرصة مازالت متاحة بقوة أمام إثيوبيا بعد إعلان الرئيس الأمريكى ترامب بالوساطة بن البلدين، تستطيع أديس أبابا أن تفكر بنفس المنطق الذى تعاملت به مصر وتركيا، وبدلًا من تذكية الخلاف والصراع نتحول إلى تفاهم وتعاون سيكون فى صالح الشعبين بكل تأكيد.
والقضية فى مياه نهر النيل ربما أكثر سهولة من تعقيدات العلاقة التى كانت بين مصر وتركيا، فالأمور فى ملف المياه واضحة، حقوق «مصرية – سودانية» ثابتة فى المياه يتم احترامها ورغبة إثيوبية فى التنمية يتم دعمها، وهذا هو أصل الأشياء، التصالح وتحقيق المصالح والمنافع المشتركة وليس الصراع والحرب والتدمير والخراب.
والتاريخ يؤكد لنا أن الصراعات لم تحقق رفاهية لأحد ولم تترك فرصة للتنمية، بينما حقق السلام النجاح لدول كثيرة وفتح أبوابًا للتنمية المستدامة، والدول التى بحثت عن السلام وآمنت به هى الدول التى تجنى ثمار النمو الآن.
أمام إثيوبيا فرصة ذهبية لتقدم مع مصر نموذجًا آخر فى تحويل الخلاف إلى تعاون مشترك يحقق رفاهية شعبى البلدين، فقط عليها أن تتخلى عن أفكارها وتنظر برؤية إستراتيجية ايجابية للمستقبل الذى لن يحققه السد وإنما تحققه العلاقات الطيبة مع جيرانها والقائمة على الاحترام والتعاون وليس الصراع.