ما جرى فى المنطقة العربية خلال السبعين عامًا الماضية لا يمكن فهمه بوصفه سلسلة من الإخفاقات المحلية المعزولة، ولا كنتيجة حتمية «لتخلّف داخلى» كما تحب السردية الاستعمارية أن تروّج، بل يحتاج إعادة قراءة تاريخية شاملة فى ضوء ما كُشف من وثائق، وما تبلور من مسارات فعلية للصراع على هذه المنطقة. إعادة القراءة هذه تكشف أن ما يبدو فوضى أو أخطاء متراكمة، كان فى كثير من لحظاته مسارًا مُدارًا، تشابكت فيه القوة الصلبة بالقوة الناعمة، والسياسة بالثقافة، والسلاح بالأغنية.
>>>
مرت المنطقة بعدة مراحل واضحة: مرحلة الاستعمار المباشر، ثم مرحلة التحرر الوطنى وبناء الدول بعد الاستقلال، تلتها محاولات «متفاوتة النجاح والفشل» لتشكيل دول وطنية مستقلة نسبيًا فى قرارها السياسى والاقتصادى. هذه المرحلة، رغم تناقضاتها العميقة، مثّلت تهديدًا حقيقيًا لمنظومة الهيمنة الغربية، لأنها فتحت الباب أمام سياسات سيادية، وتحالفات دولية بديلة، ونماذج تنمية تحاول – ولو جزئيًا – الانفصال عن التبعية.
>>>
لكن الإمبريالية لم تختف. هى فقط غيّرت أدواتها. فبدل الاحتلال العسكرى المباشر، عادت عبر الاقتصاد، والثقافة، والإعلام، والمنظمات العابرة للحدود. بدأ تفكيك الدول من الداخل، لا عبر الجيوش، بل عبر إضعاف الاقتصاد، وإعادة تشكيل النخب، وضرب فكرة الدولة الوطنية نفسها باعتبارها «استبدادًا»، مقابل تمجيد الهويات الجزئية والبدائل الفوضوية.
>>>
فى هذا السياق، شُجّعت أنظمة عميلة، أو جرى تصنيعها، كانت مهمتها الأساسية تكسيح دولها: إفقار المجتمع، تفكيك مؤسساته، إضعاف جيشه، وربط اقتصاده بالخارج. وعندما وصلت هذه الأنظمة إلى حدود استهلاكها، جاء الدور على ما سُمّى بـ «ثورات الربيع العربى»، التى قُدّمت بوصفها ذروة الحلم الديمقراطي، لكنها انتهت «فى معظم تجلياتها» إلى تفتت الدول، وتفجير المجتمعات، وفتح الأبواب أمام التدخل الخارجى المباشر.
>>>
النتيجة ملموسة: ثمانى دول عربية دخلت، بدرجات متفاوتة، فى نفق «الدولة الفاشلة». تفكك جغرافي، صراعات أهلية، اقتصادات منهارة، وخرائط مفتوحة على احتمالات التقسيم. واليوم، تقف المنطقة على أعتاب مرحلة جديدة أكثر خطورة، عنوانها إعادة رسم الخريطة على أسس عرقية وقومية وإثنية، بما يضمن تفكيك أى كيان قادر مستقبلًا على الفعل أو المقاومة.
>>>
لكن السؤال الجوهرى ليس فقط: ماذا حدث؟
بل: من ربح ومن خسر؟
بحساب الأرباح والخسائر المجردة، الرابحون واضحون:
القوى الإمبريالية التى أعادت السيطرة على المنطقة من دون كلفة احتلال مباشر، الكيان الصهيونى الذى خرج أقوى وأكثر اندماجًا فى الإقليم، شركات السلاح والطاقة، والنخب المحلية التى راكمت ثروات وسلطة فوق أنقاض مجتمعاتها.
>>>
أما الخاسر الأكبر، فهى الشعوب العربية: دمًا، وأرضًا، ودولة، ومستقبلاً.
وهنا يبرز السؤال الأخطر: من الذى دفع أجر عازفى المزمار؟
من موّل الخطاب الذى بشّر بالخراب باسم الحرية؟
من فتح المنابر، ودعم الرموز، وروّج سرديات اختزلت الصراع إلى معركة أخلاقية مجردة، وفصلته عن علاقات القوة والمصالح؟
>>>
لم تكن حملة «المزامير» بريئة ولا عفوية. لقد شارك فيها مثقفون، وإعلاميون، ومنظمات، ونشطاء، بعضهم عن قناعة، وبعضهم عن سذاجة، وبعضهم عن مصلحة مباشرة. جرى تسويق الوهم على أنه خلاص، وتقديم الفوضى على أنها ثمن لا بد منه للحرية، بينما كانت الخرائط تُرسم فى غرف مغلقة، والنتائج معروفة سلفًا.
>>>
المفارقة أن كثيرًا ممن قدّموا أنفسهم حكماء المرحلة، سقطوا فى تحامق سياسى فادح: تجاهلوا موازين القوي، واستخفوا بتاريخ الإمبريالية فى هذه المنطقة، وصدّقوا أن العالم يُدار بالامنيات لا بالمصالح. هكذا تحوّلت «الحكمة» إلى غطاء أيديولوجى للخراب.
>>>
إن إعادة قراءة ما جرى ليست ترفًا فكريًا، بل شرط للبقاء. فلا يمكن مواجهة المرحلة المقبلة «مرحلة التفتيت النهائى» من دون فهم كيف عُزفت المزامير، ومن كتب النوتة، ومن قبض الأجر، ومن دفع الفاتورة.
فى هذه المعرفة وحدها، يكمن الحد الأدنى من إمكانية استعادة العقل.. قبل أن يتحامق الحكماء مرة أخرى.









