ليس أخطر على الأوطان من أن يتحول التفوق العلمى من قيمة يُحتفى بها إلى عبء على أصحابه، ومن حلم بالارتقاء إلى واقع من الانتظار والإقصاء، ففى كل عام، تخرج الجامعات المصرية آلاف الطلاب المتفوقين، يتقدمهم أوائل الخريجين الذين يمثلون خلاصة الجهد والاجتهاد، وكان يُفترض أن يكونوا رافعة التنمية وعماد التحديث.
غير أن ما جرى خلال السنوات الأخيرة قلب هذه المعادلة، فتحول التفوق من ميزة إلى مأزق، ومن وعد بالمستقبل إلى سؤال بلا إجابة.
على مدى عقود، كان تعيين أوائل الخريجين فى الجهاز الإدارى للدولة أحد مظاهر العدالة الاجتماعية وتكريم العلم، ورسالة واضحة بأن الدولة تنحاز للكفاءة، لكن هذا المسار توقّف فعليًا عند دفعة عام 2014، وهى آخر دفعة تم تعيين أوائلها ضمن المشروع القومى الذى أُطلق، ومنذ دفعة 2015 وحتى اليوم، لم يتم تعيين أوائل الخريجين من مختلف الجامعات، لتدخل الأزمة عامها الحادى عشر تقريبًا دون حل، ودون مسار بديل منصف.
وجاء هذا التوقف تحت مبررات تشريعية وإدارية، أبرزها صدور قانون الخدمة المدنية والتحول إلى نظام المسابقات بدل التعيين المباشر، غير أن المشكلة الحقيقية لم تكن فى تغيير القواعد، بل فى غياب أى آلية تضمن استيعاب المتفوقين، وكأن التفوق لم يعد معيارًا ذا قيمة فى التخطيط الوظيفى.
وتزداد المفارقة قسوة حين نعلم أن المتعلمين هم الأكثر تضررًا من البطالة، فبينما بلغ معدل البطالة العام نحو 6.6 ٪، ارتفعت النسبة بين الشباب إلى قرابة 15 ٪، وتجاوزت بين الحاصلين على مؤهلات جامعية وفوق متوسطة 18 ٪، وفى عام واحد فقط، تخرج فى الجامعات المصرية أكثر من 660 ألف خريج، بينهم آلاف الأوائل، دون سياسة واضحة لاستيعاب المتميزين.
ومع طول الانتظار، لم يستسلم كثير من أوائل الخريجين، بل واصلوا دراستهم وحصل عدد كبير منهم على الماجستير والدكتوراه داخل مصر وخارجها، أملاً فى تحسين فرصهم. لكن المفارقة أن هؤلاء، رغم تأهيلهم الأعلى، وجدوا أنفسهم فى الموقع ذاته، كفاءات علمية بلا وظائف، تُضاف إلى طابور المتعطلين من أصحاب أعلى الدرجات العلمية.
الأخطر أن بعضهم حصل بالفعل على أحكام قضائية نهائية واجبة النفاذ بالتعيين، ومع ذلك لم تُنفذ هذه الأحكام، وبقى أصحابها فى دائرة الانتظار، ما يثير تساؤلات خطيرة حول احترام سيادة القانون وجدوى اللجوء إلى المسار القضائى.
نحن اليوم أمام تراكم سنوى لكفاءات معطلة، أوائل دفعات، حملة ماجستير ودكتوراه، وأصحاب أحكام قضائية، جميعهم خارج دائرة التوظيف المستقر، وهو وضع لا يمثل عبئًا اجتماعيًا فقط، بل خسارة وطنية فادحة.
إن تعيين أوائل الخريجين ليس امتيازًا ولا منحة، بل استثمار فى المستقبل ورسالة بأن العلم لا يُعاقَب، فالأوطان لا تُبنى بعدد خريجيها، بل بقدرتها على احتضان أفضلهم، قبل أن يخسرهم الزمن.









