الفرحة؟.. «أى والله فرحة».. فرحة تكاد تكون صرخة.. صرخة فى وجه زمنٍ يحسب نفسه أذكى منا.. بل أذكى من تاريخنا وقلوبنا!
دخلتُ معرض الكتاب هذا العام، وجدتُ نفسى فى زحمةٍ لا تُرى فيها الأرض.. بشرٌ.. لا.. أنهارٌ بشرية تتدفق بين الممرات، كأنها تبحث عن شيءٍ ضاع.. أو كأنها تعلن عن شيءٍ وجِد!
طفلٌ صغير يجر أمه نحو جناح القصص.. وصبية فى عزّ شبابهم يتصارعون على روايةٍ تُطبع لأول مرة.. وشيخٌ كبيرٌ يسند ظهره إلى عمود، وقد حمل كومة كتبٍ لا يطيق حملها، لكنه يحملها، وهو يبتسم!
يا إلهى.. إنها ثورة على الشاشة الباردة.. على الخوارزمية التى تظنُّ أنها تعرف ما فى قلوبنا.. ثورة على السرقة الكبري.. سرقة وقتنا.. وقلبنا.. وروحنا..!
يظنُّ صانعو هذه الشاشات – هؤلاء المحدثون – أنهم أوجدوا بديلاً عن الورق.. بل وعن الوجود نفسه! يضعون لنا عالماً من الوهم، ويحسبوننا حَمْقي، فندخل فيه ولا نخرج.. يسرقون منا دقائقنا وساعاتنا وأعمارنا ثم يبيعونها للمعلن.. ونحن راضون!
لكن، انظر إليهم الآن.. انظر إلى هذه الزحمة.. هذا العطش.. هذا الجوع!.. هل رأيتَ جائعًا إلى الخبز، يأخذ قطعة إلكترونية ليأكلها؟ هل رأيتَ عطشانًا إلى الماء، يضع فى فمه صورة ماءٍ على شاشة؟
هناك فى المعرض، الكتاب لا يُباع بالمال وحده.. بل يُشترى بالوقت.. بالجهد.. بالشوق.. ربما تمشى ساعة كاملة لتعثر على كتابٍ واحد، ولكنه حين يجيء.. يجيء معه عالمٌ كامل!
أظن أن صانعى الخوارزميات بعد ليالى المعرض.. لا ينامون!.. إنهم فى قلق.. لأنهم ظنوا أنهم سيكونون أذكى من الإنسان.. أذكى من عاطفته.. من شوقه.. من حنينه.. من حبه للورقة التى تشم رائحتها.. للكتاب الذى تلمسه.. للكلمة التى تقرؤها بعينيك، لا عبر عدسة زرقاء باردة!
رغم تلك الفرحة.. إلا أن هناك جرحاً لا يندمل، فوسط هذا الزحام العظيم.. هذا الشوق العارم.. تأتى كلمة تطعن القلب: نعم، الإقبال موجود.. لكن على ماذا؟ على كتب المطبخ.. كتب التنمية البشرية الزائفة.. كتب الأبراج والشعوذة.. كتب تافهة!
أين الإقبال على الفلسفة؟ على التاريخ؟ على الشعر؟ على الرواية التى تزعجك وتقلب حياتك رأسًا على عقب؟
هذا هو الجرح الذى لا يندمل.. فما قيمة أن يأتى الناس إن لم يعرفوا ماذا يأخذون؟
فلتفرحوا بزحمة المعرض.. ولكن لا تنسوا الدموع التى يجب أن تسيل على الكتاب الذى لا يقرأ.. على العقل الذى لا يفكر.. على القلب الذى لا يشعر!
المعرض جاء ليقول لنا كلمة واحدة: «أنا هنا».. الكتاب هنا.. المعرفة هنا.. الجمال هنا.. لكن السؤال الحقيقي: هل نحن هنا؟
هل نحن موجودون حقًا؟ أم أننا نأتى بأجسادنا ونترك عقولنا وقلوبنا خارج الأبواب؟
فلتنتهِ المعارض.. ولتنتشر المكتبات.. ولنعلم أولادنا أن الكتاب ليس ترفًا.. بل هو ضرورة.. ضرورة كالخبز.. كالماء.. كالهواء!
اليوم، انتصرنا على الخوارزمية.. ولكن الغد، هل ننتصر على الجهل؟ على التفاهة؟ على اللامبالاة؟









