فى يوم لم أخطط له، وزيارة لم تكن فى الحسبان، فكرت فيها مراراً لكنها كانت تتأجل لسبب أو لآخر، حتى جاءت الضرورة بالذهاب إليها.. فى صباح شتوى غائم وسحاب يسكن السماء ذهبت وأنا أخشى العواصف والأمطار، كانت خيوط الشمس تتوارى خلف الستار الكثيف من السحب الرمادية التى لا أحبها مثل المصريين، ركبت المترو إلى عدلى منصور ثم القطار السريع ولم اكن أظن اننى اركب طائرة تتجه بى إلى أوروبا حتى وجدتنى فى منطقة الفنون، أخذت «الباص» المجانى حتى الآن لحى الوزارات، فجأة شعرت اننى أتجول فى شوارع باريس الحديثة أو بروكسل.. لم أجد فارقاً بين عاصمتنا الجديدة وعواصم أوروبا الحديثة رغم ان البناء والعمران لم يكتمل بعد.
استقبلتنى العاصمة الجديدة بعتاب شديد على تأخر اللقاء لكسر الصورة النمطية المطبوعة فى الاذهان عن المدن الشرقية ومعمارنا فى كافة انحاء مصر.
سألت نفسى فى ظل هذا السحر المناخى والسحر المعماري.. هل أنا بحق فى امتداد للقاهرة أم فى إحدى مدن أوروبا؟!
نعم النسمات الباردة تداعب واجهات المبانى الزجاجية التى قد لا تتناسب مع البيئة الصحراوية المصرية، لكن ملكنى الشعور الغريب بالدهشة من هذه التصميمات المعمارية التى تتعانق فيها الحداثة الفائقة والطراز الكلاسيكى المطور سواء المعمار الفرعونى أو اليونانى.. وبين هذه الأمواج العاشقة سألت نفسي: هل غادرت حدود الوطن حقاً، ام جاء بساط الريح باحدى المدن الإدارية إلى هنا..؟!
أتابع بعين الدهشة وعين العاشق وعين المحب الشوارع المخططة بدقة متناهية، الأرصفة التى تدعو للمشى وإن كان صعباً فى هذه المساحات المترامية، ميادين صممتها خيالات معمارية حديثة.. كل ذلك جعلنى أفكر فى عمق هذه الفلسفة المعمارية الجديدة فى التخطيط العمرانى المصرى فى «الجمهورية الجديدة».. هنا لا يزاحم الحجر البشر ولا تصطدم الأجساد البشرية فى موجات التزاحم.. هنا «منحة» معمارية لخلق فضاء يتنفس فيه الحجر والبشر معاً.. تناغم وسيمفونية بصرية بين الوان المبانى الهادئة ولون السماء الغائم لخلق لوحة فنية، قد تذكرك بشوارع لندن أو باريس أو بروكسل فى لحظات صفائها الخريفي.. لكن بروح ونكهة مصرية.
نعم لم ينتقل هدوء الألوان إلى حركة العمران التى لا تهدأ وسط هذه الاجواء الأوروبية التى أشفق عليها فى نهار يوليو وأغسطس القائظ لكن ضجيج الآلات الحديثة وهدير الأوناش التى تعانق السحاب فوق البرج الايقونى وما حوله يحكى قصة إرادة انطلقت، لا تعرف المستحيل.. إرادة بشر تصر على تحويل التراب إلى ناطحات سحاب، وتحويل الاحلام لواقع ملموس قاهرة الزمن الذى لا تتوقف عقاربة ليلاً أونهاراً.. سباق مع الزمن لخلق هوية بصرية جديدة لمصر، لكن جذورها ممتدة فى أعماق حضارة وحقب تاريخية معمارية.. وفى نفس الوقت تنظر بعينها للمستقبل وتحتضن بذراعيها القادم.. لم أر المبانى بأنها «مقرات» حكومية، بل رأيت فيها نمطاً جديداً للحياة، يمنحك ما تستحق من شعور بالرضى والنظام والتطور منذ اللحظة الأولى التى تلمس فيها عيناك رؤيا هذه التحفة المعمارية.
والسؤال: هل قدمنا واحتفلنا بهذا الانجاز بما يستحق؟؟
> أشك.. نحن مقصرون و»بالثلث».
وهذا التقصير منح فرصة ذهبية لأعداء مصر، سواء كانوا فى الخارج أو فى الداخل يسكنون الضلوع.. مستغلين بذلك الأزمات الاقتصادية التى يغرق فيها المواطن ليطرحوا سؤالاً فى ظاهر مبررات معقولة، وفى باطنه يسكن الهدف الخبيث؟!
أقصد هل كنا بحق فى حاجة إلى هذه العاصمة الجديدة وتنطلق الاسئلة، من أين حصلت هذه المبانى على تمويلها: لقد جاء كل ذلك على حساب حاجة المواطن للقمة العيش.
وهكذا تتوالى الاسئلة ومعها القنابل المفخخة، ولاأحد فى الإعلام يجيب!!
والإجابة طويلة لكن يمكن اختصارها ان الفلسفة الاقتصادية هنا ترتكز على «من الانفاق» إلى الاستثمار الذاتي.. بمعنى ان العاصمة هنا لا تعتمد على موازنة الدولة التقليدية «الضرائب» بل تقوم على تثمين الأرض.. بمعنى خلق القيمة، أى ان الحكومة نجحت فى تحويل صحراء «صفرية القيمة» إلى أعلى قيمة لأرض فى المنطقة بعد ادخال المرافق إليها وبشكل حديث جداً، مع إنشاء بنية تحتية «ذكية» وليست «بالغباء»» التقليدى الذى نغرق فيه.
وحتى يكون الكلام مفهوماً.. العاصمة الجديدة قامت كمشروع استثمارى.. يربح من بيع أراض كانت صفرية إلى مليارات الجنيهات.. تأجير مقار.. يعنى دورة رأس مال مستقلة.. لكن يتبقى اسئلة كثيرة تحتاج لإجابات للرد على مزاعم الاعداء؟!
والمهم لخدمة ذلك الهدف المعمارى وتحقيقه على أرض الواقع.. كانت عن طريق «نخاع شوكى».. تقنى تكنولوجى يجعلك تشعر ان المدينة كلها تدار بعقل واحد مما جعلها مدينة من الجيل الرابع ليس بوجود انترنت حديث فحسب.. لكن بنظام تحكم مركزى إدارى تكنولوجى، «تحكم رقمى موحد».. بمعنى لو حدث كسر فى ماسورة مياه فى أقصى جزء من العاصمة يظهر تنبيه فورى على شبكة التحكم قبل ان يشعر به المواطن نفسه!!
هنا الكاميرات الذكية فى كل مكان.. المراقبة مزودة بتقنية الذكاء الاصطناعى على مدار الساعة.. لماذا؟.. لكل ما يدور فى الذهن من مشاكل مرورية إلى كشف المخاطر قبل وقوعها.. وللحديث بقية..









