هل حقاً فشلت الأمم المتحدة، على مدار تاريخها، فى تحقيق أحد أهم أهدافها السامية، وهو تسوية النزاعات بين الدول بالطرق السلمية، ووقف الحروب، وإقرار السلام والأمن الدوليين؟!
هذا هو السؤال الذى أنهيت به مقال الخميس الماضى عن «الأمم المتحدة ومجلس ترامب للسلام» ووعدت بمناقشته فى مقال اليوم.
وهو سؤال مستخلص من تصريحات للرئيس الأمريكى ترامب، حين أعلن أن مجلس السلام الذى أنشأه لإنهاء الحرب فى غزة والشرق الأوسط سيكون بديلا للأمم المتحدة متهماً المنظمة الدولية بالفشل فى ذلك.
والحق أن الرئيس الأمريكى لم يكن أول من يتهم الأمم المتحدة بالفشل فى إنهاء الحروب وإقرار السلام.. فقد سبقه إلى ذلك كثيرون من قادة بل وشعوب العالم، وإن كان هو شخصيا قد تراجع عن هذا الاتهام وأعلن فى خطابه بمنتدى دافوس الاقتصادى أواخر الشهر الماضي، وخلال الاحتفال بتوقيع ميثاق مجلس السلام، أن المجلس سيعمل «مع الأمم المتحدة» وأن ذلك سيكون «أمراً فريداً» على حد تعبيره.
ومن يرد إثبات هذا الاتهام فسيجد عشرات الأمثلة التى عجزت الأمم المتحدة عن حلها، أو الحروب التى فشلت فى وقفها، ويكفى أن أقدم وأكبر ثلاث مشكلات نشأت خلال الخمس أو الست سنوات الأولى من ولادة الأمم المتحدة، مازالت عالقة حتى اليوم بلا حل، وعلى رأسها القضية الفلسطينية فى إطار الصراع العربى الإسرائيلي، ومشكلة كشمير بين الهند وباكستان، والقضية الكورية الناجمة عن انقسام كوريا إلى شمالية شمولية وجنوبية رأسمالية ناهيك عن منازعات الحدود الأقل خطراً والتى تنتشر فى ثلاث قارات: أوروبا ـ إفريقيا ـ آسيا.
وبنفس القدر، فإن الأمم المتحدة نجحت فى المساهمة فى تسوية العديد من المشكلات الدولية الأخرى المؤثرة فى السلم والأمن الدوليين، مثل مشكلات نزع السلاح، وفى إصدار العديد من القوانين ذات الصلة مثل القانون الدولى الإنساني، والعهد الدولى لحقوق الإنسان وغيرها.
ولو عدنا إلى اتهام الأمم المتحدة أو أى منظمة أخرى فى العالم، إقليمية كانت أم قارية، أم عابرة للقارات بالفشل، فلابد من التذكير بأن كل منظمة من هذه المنظمات ليست سوى تعبير عن الإرادة الجماعية لأعضائها فى التعامل مع أى مشكلة أو قضية تتعرض لبحثها.
وأن لكل منظمة من هذه المنظمات ميثاقاً أو معاهدة تحمل توقيع أعضائها، وتحدد أهدافها وحقوق ومسئوليات أعضائها والتزاماتهم، وتفعيل أو تعطيل هذه المواثيق أو المعاهدات مرهون بإرادة أعضائها، حتى لو كان هذا التفعيل أو التعطيل بإرادة خارجية، فالأعضاء هم من يقرون التصدى لها أو الاستسلام لموجباتها.
وإذا كان للأمم المتحدة أو لأى منظمة أخرى سكرتير عام، يضعه الكثيرون فى مرمى سهامهم عند الاخفاق أو الفشل، فهذا السكرتير العام موظف لدى الأعضاء، مقيد بنصوص ميثاق المنظمة أو معاهدتها المنشئة لها، وبالعمل وفقا للنتائج التى ينتهى إليها تصويت الأعضاء على أى قرار يصدر سواء بالموافقة أو الرفض أو إشهار حق الفيتو.
المنظمات الدولية إذن لا تفشل ـ حين تفشل ـ من تلقاء نفسها، لأنها ليست كيانا منفصلا عن مكوناتها من الأعضاء، وحين نتهمها بالفشل، فهو اتهام «مجازي» معلق فى الحقيقة برقبة أعضائها الذين تسببوافى هذا الفشل، وبأعضائها الذين سكتوا عن ممارسات من تسببوا فى هذا الفشل.
ولو أقررنا باتهام الأمم المتحدة بالفشل فى منع الحروب وإقرار السلام فى العالم، فلابد أن نقر أيضا بما يكاد يجمع عليه العالم كله، شعوبا وحكومات، بأن الولايات المتحدة تتحمل فى ظل إداراتها المتعاقبة منذ إنشاء الأمم المتحدة إلى اليوم المسئولية الأكبر عن هذا الفشل، سواء فى ظل انقسام العالم إلى معسكرين حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي، أو بعد أن انفردت بقيادة النظام العالمى عقب انهيار المعسكر الشرقى إلى اليوم.
ولعل أبرز مثال يؤكد ذلك هو تعامل الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع القضية الفلسطينية والصراع العربى الإسرائيلي.
ففيما عدا مبادرة الرئيس الأمريكى أيزنهاور بإدانة العدوان الثلاثى على مصر عام 6591 قبل سبعين عاما، والذى قام به مثلث حلفاء بلاده: بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، ومبادرة الرئيس الأمريكى جيمى كارتر من بعده بجمع مصر وإسرائيل على مائدة مفاوضات لتوقيع اتفاقية السلام التى مازالت قائمة بين البلدين منذ أواخر سبعينيات القرن الماضى ولكل من الرئيسين دوافعه فى ذلك، فإن تاريخ الولايات المتحدة فى التعامل مع القضية الفلسطينية كان عبارة عن انحياز كامل للحليف الإسرائيلى الإستراتيجي، ليس فقط على حساب العربى أو الفلسطيني، بل على حساب الأمم المتحدة وميثاقها، والقانون الدولى وقواعده، والسلام الدولى والإقليمى ومعاييره.
لا ينسى العالم أن الولايات المتحدة كانت أول دولة تعترف بإسرائيل فور إعلان قيامها على الأراضى الفلسطينية.
لا ينسى العالم أن الولايات المتحدة كانت بمثابة صوت إسرائيل وممثلها الحقيقى داخل مجلس الأمن وخارجه تتصدى لأى مشروع قرار يحمل إدانة أو حتى مجرد لفت نظر أو لوم لإسرائيل حتى تجهضه فى مهده باستخدام الفيتو.. فإسرائيل الغارقة فى جرائمها على مشهد من العالم كله، بريئة مبرأة ولا تثريب عليها، يغفر كل رئيس أمريكى لها.
إن آخر استخدام لحق الفيتو الأمريكى فى مجلس الأمن، كان منذ شهور قليلة، أى فى عهد الإدارة الحالية للرئيس ترامب، ولم يكن مشروع القرار الذى تم اجهاضه يحمل إدانة أو لوما لإسرائيل، بل كان يدعو لوقف اطلاق النار فى غزة انقاذا لأرواح الأبرياء من أطفال وشيوخ ونساء القطاع، وكان دافع الإدارة الأمريكية لموقفها هذا هو معارضة إسرائيل للقرار لأنها تريد سفك مزيد من دماء المدنيين من الشعب الفلسطينى بحجة محاربة حركة «حماس».
إسرائيل بدعم أمريكى هى من دفع «بعملية السلام» إلى الثلاجة بعد توقيع اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين حتى لا تلتزم بنصوص الاتفاق.. الولايات المتحدة بدفع من إسرائيل هى التى رفضت إشراك الأمم المتحدة معها فى رعاية عملية السلام حتى لا تضطر للعمل وفقا لقرارات الشرعية الدولية.
وعندما توافق المجتمع الدولى على إنشاء «الرباعية الدولية» كآلية متعددة الأطراف تضم مع الولايات المتحدة الاتحاد الأوروبى والأمم المتحدة قامت الولايات المتحدة بتعطيل هذه الآلية استجابة لرغبة إسرائيل فى الإبقاء على الرعاية الأمريكية المنفردة لعملية السلام التى لم تقم لها قائمة.
والحديث فى ذلك لا نهاية له.. والوقائع أكثر من أن تحصي.. لكن ذلك يطرح سؤال الساعة بعد إنشاء مجلس ترامب للسلام وهو: هل نحن أمام صفحة جديدة؟! هل نحن أمام تحول حقيقى فى الموقف الأمريكى فى اتجاه أقرب إلى التوازن بين طرفى القضية الفلسطينية والصراع العربى الإسرائيلي؟! وهل هناك أمل فى ذلك؟!









