بين ليلة وضحاها قد تمطر سماء الشرق الأوسط بالقنابل والصواريخ التى لاتفرق بين حدود هنا أو هناك مدنى أو عسكري. نتيجة للحرب الامريكية الإيرانية. التى تلوح بوادرها فى أفق المسرح السياسى العالمي.. تهديدات لا تنقطع من واشنطن، ووعيد لا يلين من طهران والجميع يراقب ويتساءل هل تبدأ المعركة أم تنجح الحلول للوصول لصفقة تسكت البنادق وتوقف النيران.
«الجمهورية الاسبوعى» حاورت د. محمد محسن أبو النور رئيس المنتدى العربى لتحليل السياسات الايرانية، وعضو المجلس المصرى للشئون الخارجية لقراءة ملف الأزمة الايرانية الامريكية بعمق، والوقوف على تداعيات تلك الازمة واثارها على المنطقة والنظام العالمي، إلى جانب التعرف على الدور المصرى فى جهود التهدئه، وابرز الحلول المطروحة فى السطور التالية.
بداية .. من خلال قراءتك لتطورات الاحداث هل ترى أن الولايات المتحدة ستقوم بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران، أم أن ما نشهده حاليًا يندرج فى إطار الضغوط السياسية والعسكرية فقط؟
المشهد الحالى يعكس حالة تصعيد مدروسة أكثر منه قرارًا نهائيًا بالحرب، فالولايات المتحدة تمارس نمطًا معروفًا فى إدارتها للأزمات الكبري، وهو الجمع بين الضغط العسكرى والاقتصادى والسياسى لإجبار الخصم على التراجع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، خاصة مع التحركات العسكرية الأمريكية فى المنطقة، والتى تتمثل فى إرسال حاملات طائرات وقاذفات استراتيجية، وهو أمر لا يمكن فصله عن كونه رسائل ردع موجهة لإيران وحلفائها، ورسائل طمأنة فى الوقت ذاته للحلفاء الإقليميين.
لكن فى المقابل، لا يمكن استبعاد خيار الضربة العسكرية تمامًا، خاصة إذا اعتقدت واشنطن أن إيران تجاوزت خطوطًا حمراء تتعلق ببرنامجها النووي، فالخطر الحقيقى هنا يكمن ليس فى قرار متعمد بالحرب، بل فى احتمالات سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود، حيث يمكن لحدث محدود أن يشعل مواجهة أوسع من المتوقع.
البعض يتحدث علنا عن رغبة الولايات المتحدة فى تغيير النظام الايرانى ..هل ترى سهولة تحقيق ذلك؟
خيار تغيير النظام حاضر فى الخطاب السياسى لبعض الدوائر الأمريكية، لكنه ليس خيارًا عمليًا على طاولة صانع القرار، إذ أن التجارب السابقة أثبتت أن إسقاط الأنظمة بالقوة يفتح أبواب الفوضى بدل الاستقرار، ولذلك تميل واشنطن إلى سياسة «تآكل النفوذ» أى إضعاف قدرة إيران على التأثير الإقليمي، وتقليص مواردها الاقتصادية والعسكرية، بما يدفعها فى النهاية إلى القبول بتفاهمات جديدة، واعتقد أن الولايات المتحدة لا تتحرك بدافع هدف واحد مباشر، بل وفق حزمة أهداف متداخلة، فالهدف المعلن يتمثل فى منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وضمان أن يكون برنامجها النووى خاضعًا لرقابة صارمة، لكن خلف هذا الهدف، توجد اعتبارات أوسع تتعلق بسلوك إيران الإقليمي، ودورها فى دعم جماعات مسلحة فى أكثر من ساحة.
تعنى بذلك أن الازمة أقرب إلى الحل بصفقة سياسية على اللجوء لضربة عسكرية؟
رغم حدة التصعيد الإعلامى والعسكري، فإن كفة الصفقة لا تزال راجحة حتى الآن، إذ أن الولايات المتحدة تدرك أن أى ضربة عسكرية لإيران لن تكون نظيفة أو محدودة النتائج، بل ستفتح سلسلة من التفاعلات يصعب السيطرة عليها، كما أن الداخل الأمريكى نفسه ليس متحمسًا لحرب جديدة فى الشرق الأوسط، وفى المقابل، تدرك إيران أن استمرار التحدى دون أفق تفاوضى قد يؤدى إلى خنق اقتصادى أشد، وربما إلى عمل عسكرى لا يمكن احتواؤه، لذلك يبدو أن الطرفين يسيران نحو تفاوض غير مباشر، تحت سقف التهديد المتبادل، فالصفقة المحتملة قد لا تكون اتفاقًا شاملًا، بل تفاهمًا مرحليًا يخفف حدة التوتر ويؤجل الانفجار.
إذا وقع الانفجار الذى نخشاه، وتم توجيه ضربة أمريكية الى إيران فى رأيك كيف ستكون طبيعة تلك الضربة وأهم رسائلها وبنك اهدافها المتوقع ؟
أى ضربة أمريكية محتملة ستكون محسوبة بعناية، ومحدودة النطاق، وتهدف إلى تحقيق رسالة سياسية أكثر من تحقيق نصر عسكرى شامل، فالأهداف المرجحة ستشمل منشآت نووية حساسة، مثل مراكز التخصيب والتطوير، إلى جانب مواقع مرتبطة بالبرنامج الصاروخي، وقواعد للحرس الثورى تشكل العمود الفقرى للنفوذ العسكرى الإيراني، كما قد تشمل الضربة تعطيل منظومات الدفاع الجوى والرادارات، لإظهار هشاشة القدرات الدفاعية الإيرانية، لكن من المستبعد أن تستهدف واشنطن بنية اقتصادية حيوية أو مدنًا كبري، لأن ذلك سيعنى الانتقال الفورى إلى حرب مفتوحة.
وكيف تتوقع ان يكون رد الفعل الايراني؟
الرد الإيرانى سيكون متعدد المستويات ومحسوبًا بعناية، ومن غير المرجح أن ترد إيران بضربة مباشرة واسعة ضد الولايات المتحدة، لكنها ستلجأ إلى أدواتها التقليدية، مثل تحريك حلفائها فى المنطقة، أو تنفيذ عمليات غير مباشرة ضد مصالح أمريكية وإسرائيلية، كما قد تستخدم إيران الورقة النووية كورقة ضغط، عبر تقليص التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو رفع مستويات التخصيب، لأن الهدف الإيرانى سيكون فرض معادلة ردع جديدة دون الانزلاق إلى حرب شاملة لا تخدم مصالحها.
اذا لخصنا فى نقاط ابرز اهداف كل معسكر من الآخر.. ما ابرز تلك النقاط ؟
هناك عدة أهداف يحتاج المعسكر الامريكى للوصول اليها من إيران والمعلن منها يتمثل فى منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لأن الولايات المتحدة تعتبر أن امتلاك إيران لسلاح نووى سيُحدث خللًا جذريًا فى ميزان القوى بالشرق الأوسط، لذلك تريد تقييد مستويات تخصيب اليورانيوم، وإخضاع المنشآت النووية لرقابة صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنع إيران من الوصول إلى «نقطة الاختراق النووي، وهذا الهدف هو الأكثر وضوحًا ويشكّل الغطاء القانونى والسياسى لأى ضغوط أو تهديدات، أما الهدف غير المعلن فيتمثل فى تغيير السلوك الإقليمى لا تغيير النظام، فرغم الخطاب المتشدد أحيانًا، لا تسعى واشنطن عمليًا إلى إسقاط النظام الإيراني، لأن تغيير النظام بالقوة أثبت فشله فى العراق وأفغانستان، والبديل المحتمل غير مضمون وقد يكون أكثر تطرفًا، ولذلك فإن ما تريده أمريكا هو تقليص نفوذ إيران فى العراق وسوريا ولبنان واليمن، وكبح دعم طهران للفصائل المسلحة، وتحويل إيران من لاعب «ثورى توسعي» إلى دولة «منضبطة» داخل النظام الإقليمي، احتواء البرنامج الصاروخى الإيراني، علاوة على أن الولايات المتحدة ترى أن الصواريخ الباليستية هى الذراع الردعية الأخطر لإيران، حتى دون سلاح نووي، لذلك تسعى إلى فرض قيود على تطوير الصواريخ بعيدة المدي، ومنع نقل التكنولوجيا الصاروخية إلى الحلفاء، وإدخال هذا الملف ضمن أى اتفاق مستقبلي، وهذا البند تحديدًا هو أحد أسباب فشل العودة السهلة للاتفاق النووى السابق، وكل ذلك بالطبع لحماية أمن إسرائيل، كما أن أمريكا تنظر إلى إيران من خلال شبكة تحالفاتها فى المنطقة، وتريد ضمان التفوق العسكرى الإسرائيلي، وطمأنة دول الخليج وحماية إمدادات الطاقة، ومنع إيران من فرض معادلات ردع جديدة ضد حلفاء واشنطن، ومن هذا المنطلق، كثير من السياسات الأمريكية تجاه إيران تُصاغ استجابةً لمخاوف الحلفاء أكثر من كونها نابعة من تهديد مباشر للأراضى الأمريكية.
اما المعسكر الايراني، فيسعى أولًارفع العقوبات قبل أى شيء، وهو المطلب الإيرانى الأهم والأكثر إلحاحًا هو رفع العقوبات الأمريكية، لأنها تخنق الاقتصاد الإيراني، وتضعف العملة وتزيد الاحتقان الداخلي، وتحد من قدرة النظام على إدارة الداخل وتمويل نفوذه الخارجي، إذ إن إيران ترى أن أى تفاوض دون مكاسب اقتصادية ملموسة هو تنازل مجاني، لذلك تشترط دائمًا رفعًا فعليًا لا شكليًا للعقوبات، وضمانات بعدم إعادة فرضها بسهولة، واعتراف أمريكى بالنظام وشرعيته، فرغم الخطاب الثوري، تسعى إيران إلى اعتراف غير مباشر بشرعية النظام. ما تريده من واشنطن هو التخلى عن سياسة «الضغط لإسقاط النظام»، والتعامل مع إيران كدولة إقليمية كبرى لا كدولة مارقة، ووقف خطاب تغيير النظام ودعم المعارضة بشكل مباشر، فبالنسبة لطهران، بقاء النظام هو الخط الأحمر الأول.
كما تأمل إيران أن تنعم بحرية القرار فى الإقليم وعدم التدخل الأمريكى المباشر فى مناطق نفوذ إيران، والقبول بدورها فى العراق وسوريا ولبنان واليمن، والاعتراف بأن نفوذها الإقليمى هو جزء من معادلة الأمن الإقليمى لا تهديد مطلق، بعبارة أخرى، إيران تريد تقاسم نفوذ غير معلن، لا صدامًا دائمًا.
كما تطلب إيران ضمانات أمنية ضد الهجوم، ووقف سياسة التهديد العسكري، وكبح إسرائيل عن توجيه ضربات داخل إيران أو ضد حلفائها، خاصة وأن التجربة الإيرانية مع الانسحاب الأمريكى من الاتفاق النووى جعلت طهران تشكك فى أى وعود دون ضمانات قوية، وهو ما دعاها لأن تطلب اتفاق لا يُقيّد الردع الإيراني، كما أن إيران ترفض إدخال برنامجها الصاروخى ضمن أى اتفاق، وتقليص قدرتها على الردع العسكري، وترفض التخلى عن أوراق الضغط الإقليمية دفعة واحدة، فمن من وجهة نظر طهران، هذه الأدوات هى الضمان الحقيقى لأمنها فى مواجهة أمريكا وإسرائيل.
لماذا تصر إسرائيل على دفع الولايات المتحدة نحو المواجهة مع إيران رغم المخاطر الواضحة؟
إسرائيل تنظر إلى إيران من منظور مختلف تمامًا عن الولايات المتحدة، فبالنسبة لتل أبيب، إيران ليست مجرد خصم إقليمي، بل تهديد وجودى طويل الأمد، ولذلك إسرائيل تخشى أن يؤدى امتلاك إيران لقدرات نووية، حتى دون إعلان رسمي، إلى تقييد حريتها العسكرية وردعها استراتيجيًا، إضافة إلى ذلك، ترى إسرائيل أن النفوذ الإيرانى المتنامى عبر حلفاء مسلحين على حدودها يمثل خطرًا مباشرًا، ومن هذا المنطلق، تعتبر تل أبيب أن المواجهة الآن، رغم كلفتها، أقل خطرًا من مواجهة مستقبلية فى ظل إيران أقوى وأكثر تحصنًا.
كيف سينعكس أى تصعيد عسكرى على أمن الشرق الأوسط واستقرار أسعار الطاقة عالميا؟
أى مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران ستُحدث زلزالًا فى أمن الشرق الأوسط وأسواق الطاقة العالمية، فمثلا الخليج العربى يمثل عقدة أساسية فى حركة النفط والغاز، وأى تهديد لمضيق هرمز سيؤدى فورًا إلى ارتفاع حاد فى الأسعار، وربما إلى أزمة طاقة عالمية، كما أن الحرب ستزيد من هشاشة الدول الإقليمية، وستفتح المجال أمام صراعات بالوكالة، ما يوسع دائرة عدم الاستقرار، وهذا السيناريو لا يهدد فقط دول المنطقة، بل ينعكس على الاقتصاد العالمي، خاصة فى ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.
ماذا عن تقييم الموقفين الروسى والصينى من هذه الأزمة؟ وهل يمكن أن يتغيرا فى حال وقوع ضربة؟
روسيا والصين ترفضان أى عمل عسكرى أمريكى ضد إيران، ليس بدافع الدفاع عن طهران بقدر ما هو رفض للسياسات الأحادية، كلا البلدين يريان فى الأزمة فرصة لتعزيز دورهما كقوى دولية موازنة للنفوذ الأمريكي، وفى حال وقوع ضربة، من غير المرجح أن يتدخلا عسكريًا، لكنهما سيصعدان دبلوماسيًا، وقد يعززان علاقاتهما الاقتصادية والعسكرية مع إيران، لذا قد تتحول الأزمة إلى ساحة جديدة للصراع بين الشرق والغرب.
تلعب مصر دورًا كبيرًا لحل الازمة .. كيف يمكن تقييم هذا الدور خاصة فى ضوء الاتصال الاخير بين الرئيس عبد الفتاح السيسى والرئيس الايرانى مسعود بزشكيان؟
مصر تلعب دورًا هادئًا لكنه مهم فى هذه الأزمة، فالقاهرة تدرك أن استقرار الشرق الأوسط مصلحة استراتيجية عليا، وأن أى حرب واسعة ستؤثر على الأمن القومى العربي، لذلك تتحرك مصر عبر الدبلوماسية الهادئة، وتشجع الحلول السياسية والتفاوضية، كما أن الاتصال بين الرئيسين يعكس إدراكًا متبادلًا لأهمية التنسيق، كما أن الدور المصرى داخل المؤسسات الدولية، بما فيها وكالة الطاقة الذرية، يعزز فرص التهدئة ويمنح القاهرة مكانة فاعلة فى إدارة الأزمات الإقليمية، ولذلك يمكن القول إن الأزمة الأمريكية–الإيرانية لا تزال مفتوحة على كل السيناريوهات، بين ضغوط تهدف إلى صفقة محسّنة، وتصعيد قد يجر المنطقة إلى مواجهة خطيرة، وفى ظل تشابك المصالح الدولية والإقليمية، يبقى خيار التهدئة هو الأقل كلفة، لكنه يتطلب تنازلات متبادلة وإرادة سياسية حقيقية.
فى تقديرك .. كيف يمكن الحفاظ على خط التهدئة بين طهران وواشنطن تجنبًا للانزلاق فى الفوضى؟
الحفاظ على خط التهدئة بين إيران وأمريكا ليس مسألة نوايا حسنة، بل إدارة دقيقة للصراع ومنع تحوّله إلى مواجهة مفتوحة، ولذلك فالتجربة التاريخية تقول إن الطرفين لا يريدان الحرب، لكن الخطر الحقيقى كما ذكرنا يكمن فى سوء التقدير والتصعيد غير المحسوب. ويمكن تلخيص مسارات التهدئة فى عدة مستويات متكاملة أولها إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ولو بشكل غير مباشر، لأن أخطر ما في الأزمات الكبرى .









