«لا لتهجير الفلسطينيين» .. مبدأ ثابت أغلق تصفية «القضية» وأنقذ القطاع من أخطر سيناريو
«القاهرة» فرضت وقف إطلاق النار بسياسة متزنة استوجبت الدعم الدولى

كتبت: نهى حامد
على مدار 84 ساعة منذ تم فتح معبر رفح من الجانب الفلسطينى ومصر تستقبل حالات مختلفة من المرضى والمصابين الفلسطينيين لتلقى العلاج فى أكثر من 150 مستشفى مصريًا تم تجهيزها وإعداد أطقمها الطبية والتمريضية.
فتح المعبر لم يكن مجرد خطوة عادية بل نتيجة جهد ضخم وتحركات مصرية لم تتوقف من أجل إنهاء معاناة الفلسطينيين وفتح باب الامل أمامهم.
عندما بدأ العدوان الإسرائيلى الغاشم على قطاع غزة فى السابع من أكتوبر 2023، لم يكن السؤال داخل دوائر القرار فى العواصم العالمية، وبالأخص واشنطن وتل أبيب، هو متى تتوقف الحرب، بل كيف يمكن إدارة العملية العسكرية بأقل تكلفة سياسية ممكنة. ولم يكن أخطر ما طُرح هو حجم القصف أو عدد الضحايا. فعلى موائد النقاش وفى أروقة الاجتماعات المفتوحة والمغلقة، طُرح سيناريو واضح، تم تسويقه بلغة ناعمة: إخراج سكان غزة من القطاع، ولو مؤقتًا، تحت عناوين إنسانية خادعة مثل «الممرات الآمنة» و«حماية المدنيين». مصر كانت الدولة الوحيدة التى سمّت الأمر باسمه منذ اللحظة الأولى: تهجير قسرى وتصفية للقضية الفلسطينية.
الرئيس عبدالفتاح السيسى لم ينتظر تبلور الخطة حتى يرفضها. ففى 12 أكتوبر 2023، بعد بدء الحرب بأيام، قال بوضوح: «نقل الفلسطينيين إلى سيناء يعنى تصفية القضية الفلسطينية»، واضعاً خطوطا حمراء واضحة منذ اللحظات الأولي. الرسالة لم تكن إنشائية أو وليدة اللحظة، بل كانت نتيجة رؤية ثاقبة لأطماع خارجية تسعى لفرض واقع جديد على منطقة الشرق الأوسط، وكانت بداية المواجهة المباشرة مع الإدارة الأمريكية وحكومة بنيامين نتنياهو.
تزامنا، بدأ الرئيس الأمريكى السابق جو بايدن التحدث علنًا عن «حماية المدنيين»، بينما كانت وسائل إعلام إسرائيلية تنقل عن دوائر قريبة من نتنياهو نقاشات حول إخلاء جنوب قطاع غزة من سكانه. القاهرة قرأت المشهد مبكرًا، ووضعت خطوطاً حمراء حذرت من تجاوزها معتبرة أن ما يجرى ليس حلاً إنسانيًا، بل إعادة إنتاج للنكبة لن نقبله ، وظلم تاريخى لن نشارك فيه .
كانت الصدمة فى تل أبيب كبيرة، وبدأت إسرائيل تدرك أن سيناريو التهجير يصطدم بجدار مصرى صلب.. صحيفة «هآرتس» نقلت عن مسئولين أمنيين إسرائيليين إقرارهم بأن مصر ترفض بشكل قاطع أى تهجير للفلسطينيين خارج غزة. وزير الدفاع الإسرائيلى السابق يوآف جالانت قال فى اجتماع للمجلس الوزارى الإسرائيلى المصغر إن تجاهل الموقف المصرى سيقود إلى مواجهة إقليمية، وهو ما كان اعترافًا مبكرًا بأن «الخط الأحمر» المصرى حقيقى وليس للاستهلاك الإعلامي.
فى 18 أكتوبر 2023، عقدت قمة القاهرة للسلام التى كانت بداية المواجهة المباشرة فى المواقف الدولية، فبينما حاولت بعض الأطراف تمرير لغة أكثر مرونة عن «نزوح مؤقت» للفلسطينيين من قطاع غزة، أصرّ الرئيس السيسى أمام قادة العالم على صيغة واحدة، رفض «التهجير القسرى»تحت أى مسمى.
منذ ذلك الحين تحول معبر رفح الحدودى بين مصر والأراضى الفلسطينية إلى ساحة صدام مباشر بين الرؤية المصرية الحاسمة فى رفضها للتهجير والمساعى الأمريكية- الإسرائيلية الراغبة فى تنفيذ المخطط . ومع تردى الأوضاع الإنسانية وتفاقم معاناة الفلسطينين، ضغطت واشنطن لفتح المعبر بلا قيود، لكن القاهرة، التى أعلنتها صريحة أمام العالم أن المعبر لم يغلق يوماً واحداً من الجانب المصري، وفرضت المعادلة الصارمة.. فتح المعبر لإدخال المساعدات الإنسانية، مع رفض قاطع لتحويله إلى بوابة تهجير جماعي.
وكانت تصريحات الرئيس السيسى واضحة ومباشرة: «مصر حريصة على إدخال أكبر حجم من المساعدات إلى غزة، دون السماح بفرض واقع ديموجرافى جديد». بعدها، اعترف مسئول بوزارة الخارجية الأمريكية لصحيفة «نيويورك تايمز» بأن الموقف المصرى احبط خططًا كانت مطروحة بجدية.
ولم تكتف مصر بالتصريحات الرسمية أو البيانات المكتوبة، لكنها نظمت جولات ميدانية لوفود من مسئولين دوليين من مختلف الدول والمنظمات والجهات المعنية بالأزمة الإنسانية فى قطاع غزة، وذلك لاطلاعهم على حقيقة الأوضاع عند معبر رفح الذى استخدم كأداة للضغط على مصر، ولتثبت أمام أعين الجميع أن المعبر لم يغلق من جانبنا مطلقا.
فى نوفمبر 2023، كانت أول هدنة إنسانية يشهدها قطاع غزة بعد أسابيع من حرب إبادة قضت على البشر والحجر، وكان لمصر دور محورى فى التوصل لتلك الهدنة، حيث قال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية ماثيو ميلر وقتها إن مصر لعبت دورًا محوريًا فى التوصل إليها. الهدنة شملت تبادل أسرى ووقفًا مؤقتًا لإطلاق النار، وكانت بروفة سياسية لاتفاق أوسع.
ما تم من مشاورات ومباحثات أفضى إلى تلك الهدنة، حوَّل القاهرة لغرفة عمليات فعلية، تشهد تحركات مكثفة وزيارات متتالية لعدد من الشخصيات الدولية والإقليمية ذات الثقل فى ملف القضية الفلسطينية، تنسيق مباشر مع قطر، واتصالات متواصلة مع واشنطن. تحركت مصر على أكثر من مسار، سياسيًا وأمنيًا وإنسانيًا، فى واحدة من أعقد الوساطات الإقليمية. كان الطرح الخارجى الدائم خلال تلك التحركات هو «إخلاء مدينة رفح الفلسطينية مؤقتًا»، لكن الرد المصرى كان قاطعا «لا إخلاء، لا مؤقت ولا دائم».
زادت الضغوط على مصر مع اقتراب القوات الإسرائيلية من رفح الفلسطينية فى مايو 2024، حيث حاولت حكومة نتنياهو فرض أمر واقع عسكري. وكان الرد المصرى صارماً على لسان الرئيس السيسى الذى تحدث بلهجة غير مسبوقة: «مصر لن تسمح بتهديد أمنها القومى أو فرض تهجير للفلسطينيين».
ومع تصاعد الأحداث فى قطاع غزة، وارتكاب قوات الاحتلال أبشع المجازر بحق شعب أعزل تمسك بأرضه إلى النهاية، أجبرت مصر الأطراف الدولية على القبول بوقف إطلاق النار كمدخل وحيد لعملية سياسية شاملة تعيد الأمل لشعب كان مهدداً بنكبة جديدة بموافقة دولية.
فى 13 أكتوبر 2025 جاء الإعلان عن وقف إطلاق النارفى قمة شرم الشيخ للسلام التى ترأسها الرئيس عبدالفتاح السيسى والرئيس الأمريكى دونالد ترامب بحضور دولى واسع، وذلك فى إطار تكريس مسار السلام فى الشرق الأوسط من خلال إنهاء الحرب فى غزة والتوصل لتسوية سياسية للقضية الفلسطينية، بناء على مبادرة مصرية- أمريكية.
كان الدور المصرى فى هذا الاتفاق محوريا ونابعاً من ثوابت حددتها القيادة السياسية ورسمت خطوات مهدت الطريق لحياة جديدة فى قطاع غزة. فى واشنطن، قال مسئول فى البيت الأبيض لصحيفة «واشنطن بوست» إن الاتفاق ما كان ليتم دون الدور المصري. حتى داخل حكومة نتنياهو، تسرب اعتراف بأن القاهرة فرضت إيقاعها، وأن تجاهلها لم يعد خيارًا.
ورغم الانتهاكات المتواصلة لقوات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار، تمسك الوسطاء بالسلام وفرضوا بنود الخطة المتفق عليها فى شرم الشيخ على واقع متعثر، حتى تكللت بالدخول فى المرحلة الثانية منها والأهم على المستوى الإقليمي، وهى إعادة فتح معبر رفح من الجانب الفلسطينى وتسهيل دخول وخروج الفلسطينيين منه، لا لغرض التهجير كما كان يخطط فى بداية الحرب، ولكن لغرض العلاج فى حصن الأمان «المستشفيات المصرية».
ما تكشفه هذه الوقائع أن التهجير لم يكن وهمًا، بل كان خيارًا مطروحًا داخل حسابات أمريكية وإسرائيلية، وأن مصر كانت الدولة التى كسرت هذا المسار علنًا. لم تكتفِ القاهرة بالرفض، بل استخدمت الجغرافيا، والمعبر، والعلاقات الدولية، لتفرض وقف إطلاق النار.
ما جرى فى غزة لم يكن مجرد وساطة، بل معركة سياسية خاضتها مصر دفاعًا عن القضية الفلسطينية.. وبقيادة السيد الرئيس السيسى، تحولت القاهرة من طرف إقليمى إلى صاحب الكلمة الفاصلة، أجهض أخطر سيناريو، وبقى الفلسطينيون على أرضهم.
واشنطن اضطرت لتعديل موقفها، وتل أبيب أعادت حساباتها، ولم يكن وقف الحرب منحة، بل نتيجة ضغط مصرى مباشر، غير المسار وأغلق باب الحلول على حساب الفلسطينيين.
وأول أمس تحقق ما سعت إليه مصر وضغطت من أجله، تم فتح معبر رفح الفلسطينى ليسمح بمرور الفلسطينيين من الجانبين.
وليتحقق للفلسطينيين حلم طال انتظاره والشعور بالأمان والأمل فى إنقاذ حياتهم من خطر محدق بهم.
فتح المعبر من الجانبين كان رسالة واعترافاً واضحاً بأن مصر هى الرقم الصعب فى المعادلة، وأن القاهرة عاصمة الحل.
وكعادتها مصر فى دعمها للأشقاء وقبل أن يبدأ التحرك لفتح المعبر كانت مستعدة بكل الامكانيات لاستقبال الجرحى والمرضى من الفلسطينيين لتؤكد أنها السند والداعم دائماً.









