كتبت – سهى زكى :
كان اليوم الأول فى معرض الكتاب بعدما انتقل لمقره الحالى بالتجمع، كنت تائهة بعض الشيء اثر ارتباك تغيير ما اعتدناه وبمجرد دخولى الى «بلازا واحد» واثناء اتجاهى إلى السلم الكهربائى لنصعد الدور الأعلى لحضور ندوة من ندوات المعرض لمحت ازدحاماً على شيء لا يبدو أنه جناح كتب فهناك إضاءة ما مختلفة والمكان فسيح وشمسية إضاءة فقط.. هممت بالنزول مرة أخرى لأعرف ما هذا.. سألت وكان من يجيبنى هو دكتور علاء فريد والذى قال لي.. هنا تصوير وسألني.. حضرتك كاتبة فقلت نعم.. ودخلت للتصوير وكنت أظن أننى سأدفع حق الصورة فإذا به يفاجئنى بأن الصورة مجانية بل ومعها كارت هدية.
فى ثوان تحولت الوقفة السريعة لحكاية صغيرة بدون تكلف، ولا طلبات، ولا إحساس إنك فى جلسة تصوير، بدون ما يطلب منك «اضحك عشان الصورة تطلع حلوة» هو سيفعل.. سيجعلك تضحك بمجرد ما ترى صورتك بين يديه، سيجعلك تشعر بأن هناك من يراك ويشعر بك وبدورك فى الحياة دون أن تتكلم أو تشرح، ستعرف أن هناك انساناً مهتماً يخلد وجودك فى هذا المكان صورة، وكارت هدية صغير، وابتسامة تكمّل اليوم.
من اللحظة دى فهمت إن Photopook ليست مجرد مبادرة فوتوغرافية للتوثيق البصرى فى معرض الكتاب، لكنها حالة إنسانية، وقودها الفرح الصافي، وعلى فكرة إن كل اللى بيشاركوا فى المشهد الثقافى يستاهلوا لحظة تقدير، حتى لو كانت فى صورة.
فإن تنتصر لحظة سعادة على زحام معرض القاهرة الدولى للكتاب، حيث تتجاور الكتب والوجوه والأحلام، وتظهر مبادرات صغيرة فى حجمها، كبيرة فى أثرها، قادرة على أن تترك بصمة لا تنسى فى ذاكرة الرواد.
تبرز تجربة Photopook، التى تحولت مع الوقت إلى محطة إنسانية ينتظرها الكتاب والمثقفون بشغف، لا لالتقاط صورة فحسب، بل لالتقاط لحظة.
وراء هذه الفكرة يقف مصور فوتوغرافى شاب، خريج كلية العلوم قسم الكيمياء، اختار أن ينحاز للشغف قبل المسار التقليدي، وأن يحول الكاميرا إلى أداة محبة لا توثيق فقط. لم يأت إلى المعرض بعدسة تبحث عن الشهرة، بل بروح تبحث عن الناس، عن وجوههم، وعن فرحتهم الخالصة أمام صورة تلتقط بلا مقابل وبلا شروط.
فكرة Photopook بسيطة فى ظاهرها، عميقة فى جوهرها تصوير كل كاتب أو فاعل فى المشهد الثقافى مجانا، ومنحه فى النهاية كارت هدية صغير، كأن الصورة لا تكتمل إلا بإيماءة امتنان. هنا لا يشعر صاحب الصورة أنه موضوع تصوير، بل ضيف مرحب به، إنسان يحتفى به.
ولا يمكن الحديث عن هذه التجربة دون التوقف أمام روح الفريق، تلك الروح التى تمنح المبادرة دفئها واستمراريتها.
فريق عمل متكامل يقوده الدكتور علاء فريد، بحضور هادئ وتنظيم إنساني، ويشاركه الفنان أحمد صلاح الذى يتولى تجهيز وتحضير الصور بعناية لتخرج كل لقطة كما لو كانت مرآة صادقة لصاحبها، و إلى جوارهم يعمل كل من محمود مسعود، محمود بكار، عمرو جمعة، احمد عابر، محمد عابر، نوران هاتي، زياد كمال، وصلاح احمد صلاح، فى تناغم واضح، حيث تتوزع الادوار دون ضجيج، ويصبح الهدف المشترك هو راحة من يقف امام الكاميرا، واحساسه بانه فى مساحة امنة ومرحّب بها.
وراء هذه اللحظة الخفيفة، وهذه الصورة التى تبدو وكأنها ولدت فى ثوان، يقف جهد شاق لا يراه كثيرون. فالاقبال الكبير على Photopook يحول المكان طوال اليوم إلى خلية عمل لاتهدأ، عشرات الوجوه تصطف، الوقت يضغط، والابتسامات لا تتوقف، بينما يظل الفريق محافظا على نفس الهدوء والتركيز مع كل شخص يقف امام العدسة، كأنه الأول.
التقاط الصورة ليس النهاية بل البداية، ضبط الاضاءة، اختيار اللقطة الانسب، تجهيز الصورة رقميا، ثم طباعتها وتسليمها فى اسرع وقت ممكن، وسط زحام المعرض وضجيجه، ومع أعداد كبيرة تفوق التوقعات ورغم التعب لا يتسلل الاستعجال إلى الصورة، ولا يفقد الفريق حسه الانساني، لأن الهدف لم يكن يوما السرعة، بل الاتقان والاحترام.
ومع كل دورة جديدة لمعرض الكتاب، تكبر الفكرة وتزداد بهجتها، يتكرر المشهد نفسه لكن بابتسامات اوسع، وانتظار اطول، وثقة اكبر من الجمهور. كثيرون صاروا يأتون خصيصا ليسألوا أين Photopook هذا العام، كأن المبادرة اصبحت طقسا من طقوس المعرض لا يكتمل بدونه.
ما يميز Photopook حقا ليس جودة الصورة فقط، بل الاحساس المصاحب لها، احساس بان الثقافة ما زالت قادرة على ان تكون ودودة وقريبة وان الفن حين يقدم بحب يصل مباشرة إلى القلب.
فى زمن تزدحم فيه الصور وتفقد معناها، تأتى Photopook لتذكرنا بان الصورة الحقيقية هى تلك التى تشبه صاحبها، وتترك داخله فرحا صافيا، فرحا يكبر سنة بعد سنة، ويشبه معرض الكتاب نفسه حين يكون فى أجمل حالاته.









