فى لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تعود مصر لتؤكد بالفعل لا بالخطاب ثبات بوصلتها الإنسانية ودورها التاريخى تجاه القضية الفلسطينية، عبر استعدادات واسعة وممنهجة لوزارة الصحة والسكان لاستقبال وعلاج المصابين والمرضى القادمين من قطاع غزة، فى مشهد يعكس مزيجًا نادرًا من الجاهزية المؤسسية والالتزام الأخلاقي.
مع التشغيل المحدود لمعبر رفح، باتت مصر على استعداد يومى لاستقبال عشرات الحالات الفلسطينية الحرجة التى تحتاج إلى تدخل طبى عاجل، بعد أن دمرت الحرب المستمرة على غزة على مدار عامين البنية الصحية للقطاع تدميرًا شبه كامل، فلم تسلم مستشفى ولا عيادة من القصف أو التعطيل. وفى مواجهة هذا الواقع المأساوي، تحركت وزارة الصحة المصرية بسرعة لافتة، فدفعت بخطط طوارئ شاملة، شملت تجهيز مستشفيات ومراكز طبية متخصصة فى شمال سيناء، إلى جانب مستشفيات جامعية وعامة فى مختلف المحافظات، وفقًا لطبيعة كل حالة واحتياجاتها العلاجية الدقيقة.
هذه الاستعدادات لا يمكن فصلها عن سجل طويل من الجهود المصرية التى غالبًا ما جرى التعاطى معها باعتبارها أمرًا بديهيًا، رغم ما تحمله من أعباء جسيمة. فخلال العامين الماضيين، استقبلت مصر عشرات الآلاف من الفلسطينيين القادمين من غزة، من جرحى الحرب والمرضى وأصحاب الحالات المزمنة، وجرى توزيعهم بعناية على منشآت طبية فى أنحاء الجمهورية، حيث تلقوا رعاية طبية عالية المستوي، قُدمت بمهنية إنسانية لافتة من أطباء وممرضين وأطقم صحية أثبتت أن الطب فى مصر ليس مجرد مهنة، بل رسالة.
ولا تخلو هذه الموجة الجديدة من التحديات. فحتى مع تراجع حدة العمليات العسكرية، فإن تدفق المصابين والمرضى يفرض ضغوطًا حقيقية على الموارد الصحية المحلية، سواء على مستوى الأسرة الطبية أو الكوادر البشرية أو المستلزمات العلاجية. ومع ذلك، اختارت الدولة المصرية مرة أخرى أن تتحمل نصيبها من العبء، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن إنقاذ الأرواح لا يخضع لحسابات الربح والخسارة.
إن الإخلاء المنظم للمرضى من غزة يفضح، فى الوقت ذاته، حجم الكارثة الإنسانية التى خلفها تدمير المنظومة الصحية الفلسطينية، ويضع المجتمع الدولى أمام مسئولياته التى طال تجاهلها. وبينما تتعثر الاستجابات الدولية، تبرز مصر كطوق نجاة حقيقي، وملاذ أخير لآلاف المدنيين العالقين بين أنقاض مستشفيات مدمرة وحصار خانق.
وفى هذا السياق، لا تبدو الجهود الطبية المصرية معزولة عن التحرك السياسى والدبلوماسى الأوسع للدولة، التى واصلت خلال الأشهر الماضية الدفاع عن الحقوق الفلسطينية فى المحافل الدولية. الجديد هنا هو توظيف القدرات الطبية كأداة دعم موازية للدبلوماسية، لتجسيد معنى الأخوة العربية فى أكثر صورها صدقًا وتأثيرًا.
ما تقوم به وزارة الصحة المصرية اليوم ليس عملاً استثنائيًا طارئًا، بقدر ما هو امتداد طبيعى لدور تاريخى راسخ. لكنه، فى هذه اللحظة الفارقة، يكتسب دلالة أعمق، بوصفه فعل تضامن عمليًا فى زمن كثرت فيه البيانات وقلت فيه الأفعال. وبينما يواصل الفلسطينيون نضالهم من أجل البقاء والكرامة، تبقى مصر – مرة أخرى – حاضرة حيث يجب أن تكون: إلى جوار الجرحي، لا فى الصفوف الخلفية للمتفرجين.









