أبدع الرئيس فى خطابه الأخير بمناسبة عيد الشرطة عندما قال عبارة بالغة الدلالة: «اللى مش عارف المؤسسة بتاعته فيها إيه.. يغادر». جملة قصيرة، لكنها تختصر جوهر أزمة الإدارة فى كثير من المؤسسات الحكومية، ليس فى مصر فقط، بل فى دول عديدة.
المشكلة فى جوهرها ليست فى الأفراد بقدر ما هى فى المنظومة الإدارية السائدة، والتى تقوم فى أغلبها على الأقدمية والترقى بالسنوات، لا بالكفاءة أو القدرة على التطوير. فنجد كثيرًا من شاغلى المناصب التنفيذية والقيادية العليا وقد اقتربوا من سن المعاش، وكل ما يشغلهم هو أن تمر الفترة بسلام «ونعديها على خير»..
فى هذا المناخ تختفى المنافسة، ويضعف الحافز، وتتراجع الرغبة فى الابتكار، بل يسود منطق خطير مفاده: «اللى يشتغل أكتر.. يغلط أكتر».
والحقيقة أن الإدارة هى منبع النجاح لكل شيء؛ فهى الطريق إلى التطوير والتقدم والازدهار، من خلال مؤشرات تهتم بالنوعية والكفاءة، لا بمجرد استيفاء الإجراءات. الإدارة الحديثة لا تُدار بعقلية تجنب الأخطاء فقط، بل بعقلية صناعة الفرص. أما المؤسسات التى تُدار بمنطق «عدم المغامرة» فهى محكومة بالجمود، مهما حسنت النوايا.
فى المقابل، فإن العثور على قيادة تتطلع إلى التميز هو جوهر الإصلاح. وهذا لا يتحقق إلا من خلال منظومة تنافسية شفافة لاختيار الأفضل، عبر الإعلان عن الوظائف القيادية، وفتح باب التنافس، واختيار الأكفأ – سواء من القيادات الشابة أو من أصحاب الخبرات المتجددة – ممن يملكون سجلًا حافلاً بالإنجاز ويعشقون التحدى والتطوير. وحين تُمنح الثقة للعقول القادرة، يتغير المشهد تمامًا، ولدينا داخل مصر وخارجها نماذج تثبت أن الكفاءة حين تتقدم، يتحقق الفرق.
كما يجب التمييز بين دور الأجهزة الحكومية ودور الكيانات التنفيذية الخدمية. فالأجهزة الحكومية بطبيعتها تقوم على الضبط والحوكمة والرقابة والإجراءات- وهى أدوار ضرورية- لكنها ليست البيئة المثلى لإدارة الخدمات أو الاستثمارات أو القطاعات التى تحتاج إلى مرونة وتنافسية وسرعة قرار.
ولنا فى قطاع الاتصالات فى مصر مثال واضح؛ فقد تحسنت الخدمات جذريًا عندما انتقلت الإدارة إلى منطق الشركات، لا العقلية الحكومية البحتة. لم يكن التطور التكنولوجى وحده هو السبب، بل تغير أسلوب الإدارة.
وأتذكر فى ثمانينيات القرن الماضي، عندما كان أحد الفنادق الكبرى فى القاهرة يُدار حكوميًا. ذهبنا للتعاقد على مؤتمر، فلم نجد من يستقبلنا. جلس مسئول على مكتب بعيدًا عن الكاونتر، وحين سألناه: «نتكلم مع مين؟» ثار غاضبًا قائلاً: «هو أنا مش مالى عينكم؟ ده أنا وكيل وزارة!».. وانتهى الأمر بعقد المؤتمر فى الإسكندرية. قد تكون واقعة قديمة، لكنها تعكس ثقافة إدارية كانت ترى المنصب وجاهة لا مسئولية.
الخلاصة أن الأجهزة الحكومية، وفق المفاهيم الإدارية المعاصرة، يجب أن يُعاد تحديد دورها بدقة: تخطيط، تشريع، رقابة، حوكمة. أما الإدارة التنفيذية للخدمات والاستثمارات، فمكانها الطبيعى هو نموذج إدارى حديث، تنافسي، مرن، قائم على الكفاءة لا الأقدمية. ولعلنا نبدأ بتطوير شركتى السياحة الوطنية لدينا من أجل ان يكون لهما دور فاعل فى هدفنا القومى للوصول إلى 30 مليون سائح سنويا.
وهنا تعود عبارة السيد الرئيس لتصبح مبدأً لا مجرد جملة عابرة: اللى مش قادر يتطور.. يغادر.









