استمر المصريون فى العبور وتشكيل رءوس كبارى الجيشين الثانى والثالث والفرق المشاة والمدرعة التى عبرت خلال اليومين السادس والسابع من أكتوبر، واكتمل بناء حائط الصواريخ وتشكيلاته من كتائب الرادار والصواريخ التى منعت الطيران العبرى من الاقتراب من قناة السويس وحتى مسافة تزيد عن العشرين كيلو متراً شرق القناة، وعندما أدركت جولدا خطورة الموقف، وكارثيته على الوجود العبري، لم يكن أمامها كسياسية بعد الإبقاء على موشيه دايان ليشاركها عار الهزيمة والمساءلة أمام الشعب العبري، فقد لجأت إلى حليفها الأقوي، الذى يعتبر كيانها بالإجمال الولاية الواحدة والخمسين من ولاياته، ويعتبرهاـ أيضاـ الدولة الوظيفية له فى المنطقة، كما فسر وفند الشهيد جمال حمدان، فراحت جولدا مهرولة إلى الولايات المتحدة تتواصل فى سيل المحادثات المتصلة دون انقطاع من جانبها وتلح على الأمريكان، وتقول: «ثم بدأنا محادثات حول الحصول على معونة عسكرية من الولايات المتحدة».
وهنا ملاحظة شديدة الأهمية السياسية والعسكرية وربما التاريخية فقد اعترفت جولدا: «وفكرنا فى قيام قواتنا بعبور القناة، لكن ما الذى سيحدث لو أن قواتنا وقعت فى مصيدة هناك؟».. هذه الملاحظة من اعتراف جولدا سيأتى ذكرها بالتفصيل عند الحديث عن اعترافات «اريئيل شارون» مهندس الثغرة «التمثيلية» لكن ـ الآن ـ جولدا تعترف بأن مجرد عبور قواتها إلى الغرب من قناة السويس سيكون بمثابة انتحار عسكري(!).
ونعود لاعترافات جولدا عن مجريات الحرب: «كان عليّ أن أفكر فى إمكانية أن تكون الحرب طويلة، وأن نجد أنفسنا بدون ما نحتاجه من طائرات أو دبابات أو ذخيرة، كنا فى مسيس الحاجة إلى كل ذلك».. وهنا تقدر جولدا الموقف بدقة متناهية، وبصراحة مع الذات منقطعة النظير، فهى لن تسطيع صبراً فى صد الهجوم المصرى بامكاناتها المقيدة من الطيران «اليد الطولي» التى قطعت من خلال كل من وحدات الدفاع الجوي، واشتباكات الطيران المصرى الشرسة، وقدراتها من المدرعات التى تهاوت أمام قنص المقاتل المصرى بصواريخه المحمولة على الكتف زهيدة التكلفة فائقة القدرة على اصطياد مدرعاتها غالية الثمن، والتى أصبحت كما قالت لاحقا عنها «أصبحت دباباتنا صناديق من اللهب تحرق جنودنا»!.
وتقول عن محادثاتها مع الأمريكان لنجدتها: «تحدثت مع دينتز فى واشنطن فى كل ساعات النهار والليل، أين الجسر الجوي؟ لماذا لم يأت؟»
ونعود لاعترافات جولدا ـ المذعورة ـ من خلال اتصالاتها: «واذكر أننى تحدثت معه ذات مرة فى الساعة الثالثة صباحا، فقال لي: لا يمكننى يا جولدا ان اتحدث مع احد، ان الوقت مبكر للغاية».. وتستطرد: «لكننى لم أكن لاستمع إلى صوت العقل».. الأمر الذى يعكس خلل نفسيا فى تجاوز بروتوكولات الدبلوماسية فى التواصل مع حلفائها، حتى أنهاـ شخصياـ تحت ضغط الانتصار المصرى الساحق كانت تعترف أن تصرفاتها فارقت العقلانية.
ويبدو أن حالة القلق التى تملكت جولدا وقت الحرب مازالت تضفى عليها بظلال الريبة والشك والتوتر، فتتساءل فى سياق اعترافاتها: «كنت أعلم أن الرئيس نيكسون قد وعد بمساعدتنا» وتستطرد: «واسمحوا لى عند هذه النقطة أن أقول شيئا طالما كررته إلى حد أنه ضايق اصدقائى الامريكيين».. وهنا تكرر جولدا السؤال: «مهما كان حكم التاريخ على ريتشارد نيكسون وهو حكم اعتقد أنه سيكون قاسياً، فإنه يجب أن يسجل إلى الأبد أنه لم يخلف وعداً واحداً قطعه لنا، إذا لماذا التأخير؟».. كانت هذه الملاحظة خاصة جولدا تحمل تساءلا يشى بالتوتر النفسى نتيجة صدمة الهزيمة أمام المصريين، حتى أن هذا التوتر النفسى لرئيسة وزراء الكيان العبرى بلغ أوجه كما تعترف هى: «وصرخت فى دنتيز بغضب، لا يهمنى ما هى الساعة الآن، اطلب كيسنجر حالا، فى وسط الليل، نحن فى حاجة إلى النجدة، بسرعة اليوم، لأنها قد تكون متأخرة جدا غدا».. هى هنا تتحدث عن اليوم الخامس من انتصار المصريين، وتقول: «وفى يوم الاربعاء، خامس أيام الحرب».
ونترك جولدا غارقة فى توترها الذى جاوز حدود الدبلوماسية، ونستكمل فى القادم إن شاء الله صراخها مع الأمريكان فزعاً من المصريين.









