هل حقاً لدينا مراكز دراسات مصرية مستقلة؟ وهل حقا لدينا باحثون يتمتعون بالمهارة والنزاهة البحثية؟ وهل هناك استعداد لدى دوائر صنع القرار فى مصر للاستعانة والثقة بمخرجات تلك المراكز؟
المعروف أن تلعب مراكز الدراسات والأبحاث دورًا محوريًا فى النظم السياسية الحديثة، إذ تُعد أحد أهم الجسور بين المعرفة الأكاديمية وصناعة القرار. ففى عالم تتزايد فيه تعقيدات السياسة والاقتصاد والأمن، لم يعد القرار الرشيد قائمًا على الخبرة الفردية أو الحدس السياسى فقط، بل أصبح نتاجًا لتراكم معرفى وتحليلى تقدمه مؤسسات متخصصة. وفى هذا السياق، تكتسب دراسة دور مراكز الدراسات فى الحالة المصرية أهمية خاصة، نظرًا لطبيعة الدولة المركزية وتحدياتها الإقليمية والداخلية المتشابكة.
>>>
تُعرّف مراكز الدراسات (Think Tanks) بأنها مؤسسات بحثية تسعى إلى تحليل القضايا العامة، وتقديم بدائل وسياسات مقترحة لصنّاع القرار، بالاعتماد على أدوات علمية ومنهجية متعددة. وهى لا تعمل بالضرورة داخل بنية الدولة الرسمية، لكنها تؤثر فيها بدرجات متفاوتة، سواء عبر تقارير مباشرة، أو من خلال النخب الأكاديمية والإعلامية المرتبطة بها.
>>>
فى الحالة المصرية، عرفت مراكز الدراسات حضورًا مبكرًا نسبيًا مقارنة بعدد من الدول العربية، خاصة مع إنشاء مراكز بحثية تابعة للدولة مثل مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، الذى لعب منذ تأسيسه فى ستينيات القرن الماضى دورًا مهمًا فى تحليل القضايا الإقليمية والدولية. كما ظهرت لاحقًا مراكز أخرى ذات طابع أكاديمى أو شبه رسمي، إضافة إلى مراكز خاصة ومستقلة بدرجات مختلفة.
>>>
غير أن العلاقة بين مراكز الدراسات وصانع القرار فى مصر لم تكن دائمًا علاقة مؤسسية واضحة. ففى فترات معينة، كان يُنظر إلى هذه المراكز بوصفها أدوات دعم للسياسات القائمة أكثر من كونها منصات لتوليد بدائل نقدية. وهو ما حدّ من قدرتها على التأثير الحقيقى فى عملية اتخاذ القرار، وحصر دورها أحيانًا فى التبرير أو الشرح بدل التخطيط >>>
بعد عام 2011، شهد المشهد البحثى المصرى تحولات ملحوظة. فقد برزت الحاجة إلى فهم أعمق للتحولات الاجتماعية والسياسية، وظهرت محاولات لتوسيع دائرة التحليل والاستشراف. إلا أن حالة عدم الاستقرار السياسى والأمني، ثم عودة أولوية «الدولة» و«الاستقرار»، أعادت التأكيد على نمط تقليدى فى العلاقة بين المعرفة والسلطة، حيث يُفضَّل التحليل المنضبط على الطرح النقدى المفتوح.
>>>
رغم ذلك، لا يمكن إنكار أن مراكز الدراسات فى مصر باتت جزءًا من معادلة اتخاذ القرار، ولو بشكل غير مباشر. فالدولة المصرية، فى ظل التحديات الإقليمية المعقدة (ليبيا، السودان، غزة، أمن البحر الأحمر)، تحتاج إلى تقديرات موقف وسيناريوهات مستقبلية، وهو ما توفره مراكز بحثية متعددة، سواء من داخل المؤسسات الرسمية أو عبر قنوات استشارية غير معلنة.
>>>
التحدى الأساسى فى الحالة المصرية لا يتمثل فى غياب مراكز الدراسات، بل فى طبيعة الدور المسموح لها به، فمراكز الدراسات الفعّالة تحتاج إلي:
1 – قدر من الاستقلالية الفكرية
2 – إتاحة الوصول إلى المعلومات
3 – قنوات مؤسسية واضحة للتواصل مع صانع القرار
4 – تقبّل التعدد فى الرؤى والبدائل
وفى غياب هذه الشروط، تتحول المراكز البحثية إلى مؤسسات وصفية لا تحليلية، أو تقنية لا إستراتيجية.
>>>
من جهة أخرى، تواجه مراكز الدراسات المصرية تحديًا داخليًا يتعلق بقدرتها على مواكبة التحولات المنهجية العالمية، مثل استخدام البيانات الضخمة، وتحليل السياسات المقارن، والدراسات المستقبلية. فالتأثير الحقيقى لا ينتج فقط عن القرب من السلطة، بل عن جودة المعرفة المقدمة وعمقها.
>>>
ختامًا، يمكن القول إن مراكز الدراسات تمثل عنصرًا أصيلاً – وإن كان غير مكتمل – فى معادلة اتخاذ القرار فى مصر. وهى مرشحة للعب دور أكبر مستقبلاً، كلما أدركت الدولة أن إدارة الأزمات لا تكفى وحدها، وأن التخطيط الإستراتيجى طويل المدى يحتاج إلى عقل بحثى مستقل، منضبط، وقادر على طرح الأسئلة الصعبة قبل تقديم الإجابات.









