إبداع طلاب اهندسة الأزهرب
لم يكن ما بناه طلاب «هندسة الأزهر» فى معهد الطود بالأقصر مجرد «كوبرى من المكرونة» بل كان نموذجاً عملياً للثقة فى العقل البشرى، وقدرته على تطويع أبسط المواد بالعلم والتخطيط..تجربة حملت رسالة واضحة مضمونها أن الهندسة ليست حكراً على الإمكانيات الضخمة والكتل الخرسانية، بل هى ملك للعقول القادرة على الابتكار بأبسط الأدوات، لتثبت أن جوهر العلم يسبق شكله دائماً.
فى قلب هذا التحدى الذى نظمه فريق IEEE، برز دور محمد سيد سلامة، طالب الفرقة الرابعة بقسم الهندسة المدنية بكلية الهندسة جامعة الأزهر «فرع قنا» بحكم تخصصه الأكاديمى المتقدم وخبرته التى تقترب من تخرجه، ساعيا إلى تحويل العلم لواقع ملموس، موضحًا أنه تعامل مع الخرسانة والحديد، لكن التحدى هو فهم ‹مسار الأحمال› ونقاط التركيز فى مادة لا تقبل الخطأ فقام بتصميم كوبرى بناءً على نظام الهياكل المثلثية المتصلة، لأن المثلث هو الشكل الأكثر ثباتاً إنشائياً ، وكل عود مكرونة وضعناه لم يكن عشوائياً، بل كان له دور فى توزيع قوى الشد والضغط، فأى خلل بسيط فى نقطة التقاء الأعواد كان كفيلاً بانهيار الهيكل بالكامل. فيما أشار محمود محمد زكى -طالب الفرقة الثانية هندسة الأزهر، أن التحدى ليس فى المكرونة نفسها، ولكن فى توظيف القواعد العلمية التى يتعلمها حتى يستطيع تحويل مادة ضعيفة جداً لعنصر إنشائى صامد، وأن اختيار الشكل الهندسى الصح يعوض ضعف الخامة، فالمكرونة هشة بطبعها، لكن بوضعها فى نظام هندسى مدروس، تتحول إلى قوة مدهشة.»
وفى عمل لم يكن نتاج فرد واحد، بل كان ثمرة تعاون فريق متكامل ضم: إسماعيل، وأروى، وجنى، استغرق الفريق فى التركيز الشديد والدقة التى تشبه دقة الجراحين، حيث تم لصق أعواد المكرونة بالشمع بعناية فائقة، مع مراعاة التماثل الهندسى الكامل لضمان توازن المنشأ، وكانت المواد بسيطة نحو 3 كيلوجرامات من مكرونة «الأسباجتي» وكمية من الشمع اللاصق، ولكن خلف هذه البساطة، كان هناك اختبار صارم لمفاهيم التحليل الإنشائى وثبات المنشآت وتوزيع الأحمال التى ندرسها، وجاءت اللحظة الحاسمة وسط ترقب الجميع الكوبرى الذى لم يتجاوز وزنه الصافى «كيلوجراماً واحداً»، وتم وضعه تحت منصة الاختبار فبدأت الأحمال تزداد تدريجياً 5 كيلوجرامات، ثم 10، ثم 20.. والنموذج لا يزال صامداً أمام ذهول الحاضرين، وعندما وصل الحمل إلى 28 كيلوجراماً، حقق الكوبرى رقماً لافتاً بحمله ما يقارب 28 ضعف وزنه الذاتى.
مجهود وتخطيط فريق العمل تحول لنتيجة حقيقية أمام عيونهم..الرقم ليس مجرد فوز فى مسابقة إنما دليل إن الطلبة فهموا روح الهندسة صح، وأن المهندس الحقيقى من يبدع فى ظل محدودية الموارد، وأن «الأسباجتى» والشمع حين يمتزجان بالعلم، يمكنهما منافسة الحديد والصلب فى لغة الأرقام والصمود هى حكاية نجاح بدأت بفكرة، وانتهت بجسر من الثقة فى العقل وقدرته على الابتكار.









