كتب - مهاب المناهرى
فى مشهد إنسانى نادر، تتجسد قوة الإيمان والإرادة داخل كُتّاب بسيط لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار، بقرية بنى موسى التابعة لمركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا، حيث يواصل أربعة مشايخ مكفوفين من عائلة «طراف» – بينهم الدكتور شعبان عبد الهادى طراف – رحلتهم الممتدة منذ أكثر من 40 عامًا فى تحفيظ القرآن الكريم للأطفال والشباب والنساء، متحدّين الإعاقة البصرية، ومحوّلين المحنة إلى منحة ورسالة علم ونور.
المشايخ الــ4 عكفوا على تسخير حياتهم لخدمة كتاب الله، عبر كتاتيب مرخّصة من وزارة الأوقاف داخل منازلهم، أصبحت منارات علم ونور لأبناء قرية بنى موسى والقرى المجاورة.
على سيد طراف «66 عامًا – بالمعاش»، وفضل سيد طراف «60 عامًا»، ومحمود على سيد طراف «نجل الأول»، ود. شعبان عبد الهادى محمد طراف «ابن عمومتهم»الأربعة سجلوا أسماؤهم بأحرف من نور فى وجدان أبناء محافظة المنيا، بعدما نجحوا فى تخريج أكثر من 30 دفعة أتمت حفظ القرآن الكريم، إلى جانب استمرارهم فى تعليم مئات الطلاب بمراحل مختلفة، لم يكن الكُتّاب مجرد مكان لحفظ القرآن، بل مدرسة متكاملة للقيم والأخلاق، حيث يعتمد مشايخ طراف على التلقّى والمشافهة، والمراجعة اليومية، وتقسيم الأيام بين تثبيت الحفظ القديم والحفظ الجديد، مع الاهتمام بأحكام التجويد والسلوك القويم.
يستقبل الكُتّاب طلابًا من مختلف الأعمار دون تمييز، ويؤدى دورًا مجتمعيًا بارزًا فى تحصين الأطفال من الانحراف وبناء شخصية متوازنة تجمع بين العلم والأخلاق.
الشيخ على سيد طراف يحكى مسيرته بعدما فقد بصره فى سن العاشرة، وكان القرآن هو النور الذى أنقذه، بعدما بدأ الحفظ مبكرًا، وأتم ختم القرآن فى سن الثالثة عشرة، ثم واصل تعليمه حتى تم تعيينه مقيم شعائر بوزارة الأوقاف، وبدأ تعليم الطلاب داخل الكُتّاب بمنزله، وحرص على تعليم أبنائه حفظ القرآن وتشجيعهم على تعليمه، وأشرف على ختم القرآن لأكثر من 70 طالبًا وطالبة، فيما يواصل أكثر من 109 طلاب مسيرتهم فى الحفظ معه .
شقيقه الشيخ فضل سيد طراف، خطيب بوزارة الأوقاف فقد بصره فى سن الحادية عشرة، وختم القرآن فى سن الخامسة عشرة، ومنذ أكثر من 35 عامًا وهو يعمل مُحَفظًا لكتاب الله، وقد عاهد الله أن يكون الكُتّاب مفتوحًا للجميع دون تمييز، فالقرآن علّمهم الصبر والتسامح والأخلاق، لا يتأخر عن أهل بلده وكل من يطلب حفظ القرآن ، بل يعتبرها قربي إلى الله. يتسابق اليها .
الشيخ محمود طراف «30 عامًا» يعتبر مسيرته امتداد طبيعى لما بدأه والده وعمه حيث كان تلميذًا لهم، ثم أصبح مُعَلّمًا، وهذا شرف ومسؤولية، يقول أنه تخرج فى الثانوية الأزهرية حصل على المركز الأول على مستوى محافظة المنيا، وعدد الطلاب فى الكُتَّاب عنده 70 طالبًا خلال أيام الدراسة، وأحيانا يصل 100 طالب فى الإجازة الصيفية.
بينما يمثل الدكتور شعبان عبد الهادى محمد طراف، إمام وخطيب مسجد، نموذجًا ملهمًا لتحدى الإعاقة؛ حيث فقد بصره فى الصف الخامس الابتدائى نتيجة انفصال فى الشبكية، غير أن تلك المحنة كانت بداية رحلة جديدة مع العلم والقرآن، وحصل على درجة الماجستير ثم درجة الدكتوراه عام 2021، وكانت رسالته للدكتوراه بعنوان: «الاستدلالات العقائدية الفقهية عند المراغى..جمعًا ودراسة» – كلية الآداب، جامعة المنيا، فاستطاع تحويل الإعاقة إلى دافع للنجاح، وكان القرآن سنده الحقيقى، بدعم زوجته ووالده وإخوته، وقام بتخصيص غرفة بمنزله لتحفيظ القرآن، دون هدف مادى، والتحق بالتعليم الأزهرى، ثم جامعة الأزهر بأسيوط – كلية أصول الدين «قسم الحديث» .
أكبر التحديات كانت أثناء الامتحانات بسبب عدم إتقان بعض المرافقين للكتابة، وقد بدأ حفظ القرآن فى سن 11 عامًا وختمه فى سن 17 عامًا، وأنشأ مدرسة «زهور القرآن» التابعة لمشيخة الأزهر، والتى تضم 100 طالب، دون تلقى دعم رسمى، معتمدًا على جهود أهل الخير وأولياء الأمور.
لكنه يرى ما يقدمه هو أفضل ما يمكن أن يفعله في الدنيا ، ويكفيه أنه يسهم فى حفظ القرآن.









