بقلم : حلمى النمنم
مساء اليوم – الثلاثاء – يختتم معرض القاهرة الدولى للكتاب، دورته لهذا العام، الدورة 57، والحق أن معرض القاهرة سنويًا يكشف زيف بعض الادعاءات والاكاذيب حول الشعب المصرى، أكاذيب يختلقها الأوغاد والأعداء، ثم يرددها بسذاجة، عشاق جلد الذات وأهل الكآبة العامة والامتعاض الذى لا يتوقف.
من تلك الأكاذيب التى ترددت طويلاً ان المصريين لا يقرأون، ثم أشاعوا إحصائية مفادها أن متوسط قراءة المصرى طوال العام لا تتجاوز عدة دقائق وبضعة سطور، بينما متوسط قراءة المواطن الأمريكى فى السنة أكثر من 1300 كتاب والإسرائيلى يقترب من هذا الرقم، ووصل الأمر إلى القول إن إسبانيا تنتج سنويا من الكتب المؤلفة والمترجمة سنويًا أكثر مما قدمته مصر والدول العربية طوال تاريخها. نشر ذلك وتردد كثيرًا على لسان متحدثين كثر فى بلادنا، حاولت مرة أن أبحث عن مصدر تلك الإحصائيات، ومن أجراها وما مصادره؟ فلم أعثر على مصدر، باختصار أكذوبة.. وإن أردنا التخفيف قلنا: «فبركة إعلامية»، بعيداً عن عدم وجود مصدر أو أساس له، وكذا الأرقام، فإن الخلل واضح فى الأرقام، إذ انها تكشف أن المواطن الأمريكى يقرأ يومياً حوالى أربعة كتب، وهذا يعنى أنه متفرغ طوال الأربعة وعشرين ساعة للقراءة، وأى محترف لا يمكنه قراءة أربعة كتب يوميًا، لكن الهدف من هذه الإحصائيات تدمير الثقة فى المواطن المصرى ومحاولة وصمه بكل ما هو سلبى.
قد يكون مفهوم لماذا يقدم الخصوم على أكاذيب من هذا النوع، لكن لا نفهم لماذا يسارع هواة جلد الذات إلى تبنى تلك الأكاذيب وترديدها على نطاق واسع، حتى أنها ظهرت فى بعض الكتابات التى توصف بالأكاديمية.
واقع الحال أن لدينا شواهد عدة على أن الشعب المصرى، شعب قارئ، حريص على القراءة، يقرأ بِنَهَمٍ، مُحِّبٍ للمعرفة يسعى إلى القراءة ويبحث عن الكِتَاب بشغف وجدية، ويأتى معرض القاهرة الدولى للكتاب على رأس تلك الشواهد، وانعقاد المعرض بانتظام سنويًا وعلى مدى 57 عاما يؤكد هذا المعنى.. تؤكد الأرقام سنويا أن زوار المعرض بالملايين، فى سنة 2016، تجاوز الرقم اربعة ملايين زائر، الآن يتجاوز الرقم ستة ملايين، بعضهم يأتون من المحافظات البعيدة عن القاهرة الكبرى، من الصعيد ومن الوجه البحرى، فيأتى مواطن من المنيا وأسيوط وسوهاج الى المعرض خصيصاً ومن الدقهلية والغربية والبحيرة.
وأمامي دراسة أجراها المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية أشرفت عليها مديرة المركز د.هالة رمضان، قام بها فريق من الباحثين المتميزين بالمركز، الدراسة ميدانية حول دورة العام الماضى (2025)، انتهت الدراسة إلى أن 86 ٪ من زوار المعرض يذهبون لشراء الكتب فى المقام الأول، وأن هناك من 51 ٪ من المترددين على المعرض، اعتادوا سنوياً على زيارة المعرض، أى أن جمهور ثابت للمعرض، يقدرون بالملايين.. الدراسة المهمة مليئة بالكثير من الإحصاءات والتفاصيل المهمة حول جمهور المعرض ونوعيات الكتب التى يفضلونها ويقبلون عليها.
بعيداً عن حديث الأرقام وإحصائيات المركز القومى للبحوث الاجتماعية، فإن تدافع الناشرين المصريين والعرب سنويًا للاشتراك فى المعرض يؤكد أن هناك إقبالاً على الكتاب، خاصة أننا نعرف أن إدارة المعرض لا تتمكن سنويا من قبول كل طلبات الاشتراك فى المعرض بسبب المساحة، رغم ضخامتها، ولولا أن الناشر يدرك أن هناك إقبالاً على الكِتَاب، ما تجشم عناء المشاركة، خاصة القادمين من خارج مصر، ولو أن ناشراً لم يحقق مكسبا فلن يعاود المشاركة.
والمتابع لحركة النشر، يمكنه أن يلاحظ سنوياً دخول ناشرين جدد إلى الميدان، هذا يعنى أننا بإزاء مهنة جاذبة وسوق يستوعب المزيد دائما، باختصار هناك قارئ نهم، شعب القراءة، وغنى عن القول إنه لأسباب عديدة ارتفع سعر الكتاب فى السنوات الأخيرة، خاصة تلك الكتب القادمة من الدول العربية الشقيقة، وهى ليست مدعومة وتحمل بتكلفة الشحن وخلافه، وهناك كذلك بعض دور النشر الأجنبية، أقصد التى تقدم كتبًا بغير اللغة العربية، صحيح أنها ليست كثيرة، لكنها موجودة، مع تعاظم الجامعات الاجنبية وأقسام الدراسة فى عدد من الكليات بالإنجليزية والفرنسية، وبعض العناوين فى تخصصات بعينها صار رقم ألف جنيه معتادا، ومع ذلك هناك قارئ ينتظرها ومشترٍ يدفع، حتى أن الكثير منها ينفذ داخل المعرض.
صحيح أن هيئات وزارة الثقافة والمؤسسات القومية تقوم بدعم الكتاب وتقدمه بسعر مقبول، لدى الهيئة العامة للكتاب وهيئة قصور الثقافة عناوين بسعر عشرة جنيهات، فى حين يقدر بالمئات لدى الدور غير الرسمية، قامت وزارة الثقافة بعدة مبادرات هذا العام لتوفير عشرة كتب بمبلغ زهيد، الطريف أن القارئ يذهب إلى الكتاب الذى يريده والعنوان الذى يشغله، وما يدعو للتفاؤل والسعادة معا أن الغالب على جمهور المعرض طلاب وطالبات الجامعات والمدارس، طوابير على بعض دور النشر.. على أن معرض القاهرة الدولى للكتاب هو الحدث الرئيسى سنوياً، لكنه ليس الحدث الوحيد، أقصد ليس المعرض الوحيد فى مصر، هناك معرض تقريباً فى كل مدينة كبرى بأنحاء البلاد، فضلاً عن المعارض التى تقام بانتظام تقريباً وفى مناسبات عديدة، فى مختلف الجامعات، لدينا أكثر من مائة جامعة.
بعض المعارض باتت ذات سمعة رصينة وتجد إقبالا من الناشرين ومن الجمهور، مثل معرض الإسكندرية ودمنهور وبورسعيد والأقصر وأسوان وغيرها.. وما يمكن التأكيد عليه هناك مطبوعات وزارة الثقافة تحقق فى تلك المعارض مبيعات عالية، حتى أنه فى دورة معرض دمنهور الأولى قاربت المبيعات أرقام مبيعات معرض القاهرة فى السنة نفسها.. شعب قارئ، شغوف للمعرفة، لدينا فضول أدبى وثقافى، منذ القدم، تأمل تاريخ دور النشر فى مصر، لدينا مكتبة ومطبعة الحلبى، تأسست فى زمن محمد على، سنة 1839، لاتزال تعمل إلى اليوم، دار الهلال ودار المعارف تعودان إلى نهاية القرن التاسع عشر، مع صعود نجم الخديو عباس حلمى الثانى، وأن تستمر دار نشر لقرابة قرنين «الحلبى» فهذا يعنى الاهتمام والشغف بالكتاب، وهناك العديد من دور النشر والمكتبات التى تأسست فى ذلك الزمن لكن لأسباب تخصها والقائمين عليها لم تواصل المسيرة، بعضها ظل يعمل حتى سنوات قليلة مضت، مثل المكتبة التجارية الكبرى ومكتبة الخانجى، صحيح أن هناك بعض دور النشر تتعثر وتغلق، لكن هناك عشرات الدور تظهر وتنتشر، أى أن سوق الكتاب والقراءة موجودة على نطاق واسع، منذ أن دخلت الطباعة بلادنا، وحتى قبل الطباعة كان هناك النساخون وكان التحلق حول أهل العلم والمعرفة فى المساجد وفى الأمسيات العامة وجلسات السمر.. رسالة معرض القاهرة الدولى للكتاب وسر نجاحه عاماً بعد عام هو القارئ المصرى، الشعب القارئ، لولاه ما تحملت الدولة كل هذا المجهود، الطلب على المعرض وإقبال الملايين هو المحرك الرئيسى للدولة كلها.
هذا الجمهور وذلك المواطن يستحق من عشاق جلد الذات أن ينتبهوا إلى وجوده وأن يتحدثوا عنه بأدب جَمٍّ واحترام بالغ، أما هواة الفرقعة الثقافية وركوب الترند مثل ادعاء مَصَادرة كتاب ما، يَعلم الله وخبراء المعرض أنها حيلة قديمة وبائسة لترويج عمل لم يجد الرواج الذى حَلِمَ به صاحبه.. الحيل عديدة ومكشوفة فى الوسط الأدبى، أعرف أن هناك بعض الغاضبين من هذا أو ذاك فى وزارة الثقافة وهيئة الكتاب أو حتى الحكومة كلها، عليهم أن يضعوا الغضب فى حدوده وأن يُلْجِمُوا أحقادهم الخاصة.









