العالم يمر بمنعطف بالغ الخطورة حيث يتشابك الإرهاب العابر للحدود مع صعود اليمين المتطرف الذى يقتات على خطاب الإقصاء والخوف
الأزهر الشريف سيظل عبر مرصده حائط الصد الأول فى مواجهة الكراهية.. وصوت العقل الداعى إلى العدالة للجميع دون تمييز
الصراع العالمى خارج البيانات الرسمية ليس العالم كما يبدو فى نشرات الأخبار، ولا كما تصفه البيانات الدبلوماسية المصقولة بعناية..خلف عناوين «التهدئة» و«وقف إطلاق النار» و«مكافحة التطرف»، يعيش البشر واقعًا أكثر قسوة، تتحول فيه الهدنة إلى فاصلٍ هشّ بين موجتين من الألم، وتصبح الكراهية ممارسة يومية تتسلل إلى المدارس والبيوت وحتى ألعاب الأطفال.
فى هذا المشهد الدولى المرتبك، لا نكتفى بمتابعة الأحداث بوصفها أرقامًا أو وقائع عابرة، بل نقرأها باعتبارها ظواهر إنسانية وأمنية متشابكة، تكشف التناقض الصارخ بين الخطاب السياسى المتداول وما يجرى فعليًا على الأرض.
فمن غزة التى تنزف تحت غطاء الصمت الدولي.. إلى مجتمعات غربية تتآكل بسبب العنصرية، وصولًا إلى ساحات إفريقيا وآسيا حيث يتغذى الإرهاب على الفوضى واليأس.. يرسم هذا التقرير صورة العالم كما هو.. خارج البيانات الرسمية، وبعيدًا عن العموميات.
عبر وحدات الرصد المختلفة، يواصل مرصد الأزهر لمكافحة التطرف تفكيك مشهد الصراع العالمي، فى وقتٍ تنشغل فيه الآلة الدبلوماسية الدولية بصياغة وعود التهدئة، بينما تكشف الأرقام والحقائق الميدانية عن فجوة هائلة بين الخطاب والواقع..فمن قلب غزة النازفة، إلى مدارس «ساكسونيا» التى تئن تحت وطأة العنصرية، وصولًا إلى أدغال إفريقيا التى تواجه فلول «داعش» و«الشباب»، يرسم المرصد خريطة متكاملة للأحداث، لا بوصفها أخبارًا عابرة، بل كظواهر سوسيولوجية وأمنية تتطلب وقفة جادة.
نستند إلى رصد دقيق شمل ثلاث عشرة ساحة عالمية، لنضع القارئ أمام حقيقة المشهد الدولى بعيدًا عن التعميم، ومستشرفًا مآلات الصراع، ومحذرًا من تداعيات الكراهية الممنهجة.
أولًا: القضية الفلسطينية وردود الأفعال الدولية
لا تزال القضية الفلسطينية تمثل الاختبار الأخلاقى الأكبر للضمير العالمي، وخلال هذا الأسبوع، رصد مرصد الأزهر تحولًا خطيرًا فى طبيعة التعاطى الدولى مع الأزمة، حيث انتقل المشهد من مربع «البحث عن حلول» إلى مربع «إدارة الصراع» وتكريس الأمر الواقع تحت غطاء ما يُسمى بـ»وقف إطلاق النار».
فبينما يروج المجتمع الدولى لغة التهدئة، تكشف الأرقام التى وثقتها وحدات المرصد عن مأساة إنسانية غير مسبوقة؛ إذ سقط ما يزيد على 1700 فلسطينى بين شهيد وجريح منذ إعلان هذه التهدئة المزعومة، بمعدل دموى يصل إلى 17 ضحية يوميًا، ولم تكن الطفولة بمعزل عن هذا الغدر، إذ تشير تقارير «اليونيسف» المرصودة إلى مقتل أكثر من 100 طفل فى غزة خلال فترة «الهدنة» وحدها، ليصبح «الحق فى الحياة» رفاهية لا يملكها الطفل الفلسطينى فى ظل انحياز دولى سافر وتجويع ممنهج يُستخدم أداةً للضغط السياسي.
وقد أفرز هذا المشهد العالمى المرتبك مواقف متباينة للدول الفاعلة، تراوحت بين التواطؤ الصريح، والحياد السلبي، ومحاولات المقايضة السياسية، ويتجلى ذلك بوضوح عند تفكيك مواقف بعض القوى الأوروبية والإقليمية؛ ففى فرنسا، قررت السلطات تعليق النظر فى طلبات الباحثين والفنانين الغزيين ضمن برنامج «Pause» المخصص لحماية المبدعين المعرّضين للخطر، فى مفارقة حادة بين الخطاب الدبلوماسى والممارسة الفعلية على الأرض.
خارطة التطرف فى العالم
التطرف لم يعد يقتصر على العمليات المسلحة، بل تحول إلى خطاب كراهية يتسلل إلى المدارس والمنصات الرقمية وألعاب الفيديو، ما يستدعى يقظة أمنية وفكرية مضاعفة، ففى ألمانيا، سجلت ولاية «ساكسونيا» ارتفاعًا قياسيًا بنسبة 60% فى الحوادث اليمينية المتطرفة داخل المدارس خلال عام 2025، شملت رسم شعارات نازية واعتداءات عنصرية، فيما أعلنت أجهزة الاستخبارات مراقبتها لتحركات قادة اليمين المتطرف، من بينهم «مارتن زيلنر»، وفى إسبانيا، أحبطت الشرطة الوطنية أنشطة متطرفة فى «جليقية» و«مرسية» استهدفت شبكات دعائية وتمويلية، كما تصدرت البلاد قائمة الدول الأوروبية فى رصد وإزالة المحتوى الإرهابى من ألعاب الفيديو، بوصفها ميدانًا جديدًا لاستقطاب الشباب بعيدًا عن الرقابة التقليدية. أما فرنسا، فتواجه الأقليات تصاعدًا فى وتيرة العنف؛ حيث رُفعت دعاوى قضائية ضد المؤثرة «ميلا أوريول» بتهمة تمجيد النازية، كما تعرض رجال إطفاء فى «فال دوواز» لإهانات إسلاموفوبية، ووُضع لحم خنزير فى خزاناتهم، فى مؤشر خطير على «تطبيع» الكراهية داخل مؤسسات خدمية، وفى باكستان، شهدت منطقة «ديرا إسماعيل خان» تفجيرًا انتحاريًا أسفر عن مقتل 10 أشخاص، بالتوازى مع عمليات استباقية نفذها الجيش فى «بلوشستان» و«بشاور» أفضت إلى تصفية عشرات العناصر المنتمين إلى «جيش تحرير بلوشستان»، وفى الصومال، تمكن الجيش من قتل أكثر من 130 مسلحًا من حركة «الشباب»، بينما نفذت القوات فى مالى والنيجر غارات جوية أودت بحياة العشرات من عناصر «داعش»، رغم التحديات الناتجة عن قرار أوغندا سحب قواتها من الصومال بعد 19 عامًا من المشاركة.
أحوال المسلمين فى العالم
وسط هذه التحديات، يبرز المسلمون بوصفهم مواطنين فاعلين وقوة بناءة داخل مجتمعاتهم، رغم محاولات بعض التيارات التضييق على حقوقهم الدينية والمدنية، ففى إسبانيا، تسعى الحكومة إلى تعزيز التعددية عبر مشروع قانون يُلزم المدارس والمستشفيات بتوفير وجبات تراعى الخصوصيات الدينية، فى حين لا يزال ملف الحجاب فى المدارس يثير جدلًا حول مفهوم «الحياد» والمساواة، وفى الهند، أصدرت المحكمة العليا فى ولاية «ماديا براديش» حكمًا تاريخيًا يحمى حق المسلمين فى أداء صلاة الجمعة، رافضة الالتماسات المطالبة بحظرها، بما يعزز مبادئ التعايش السلمي. أما فى الولايات المتحدة، فقدّم المتطوعون المسلمون نموذجًا لافتًا فى التكافل الإنساني، حيث حوّل مركز «إيست بلانو» الإسلامى صالة ألعابه إلى مأوى للمشردين، مسلمين ومسيحيين، خلال العاصفة الثلجية التى ضربت ولاية تكساس، وفى بريطانيا، نظمت مدينة «بيتربورو» ورشة عمل تعليمية للمعلمين بالتعاون مع المجلس الإسلامي، لتعريفهم بخصوصية شهر رمضان وسبل دعم الطلاب الصائمين، كما شارك طلاب من منطقة «رويته» الألمانية فى تجارب حوار بين الأديان بمدينة «إنسبروك» لتعزيز التفاهم المتبادل، وهناك تصريحات إيجابية من البابا لاون الرابع عشر رافضة للتمييز وداعية إلى الحوار.
وختامًا.. تؤكد القراءة الفاحصة لهذه التطورات أن العالم يمر بمنعطف بالغ الخطورة، حيث يتشابك الإرهاب العابر للحدود مع صعود اليمين المتطرف الذى يقتات على خطاب الإقصاء والخوف.. وأن المواجهة لا يجب أن تقتصر على البعد الأمنى وحده، بل تستوجب تحصين العقول وترسيخ قيم المواطنة الكاملة، فوقف نزيف الدم فى فلسطين، وحماية حقوق المسلمين فى الغرب، وتجفيف منابع الفكر المتطرف فى إفريقيا وآسيا، ملفات مترابطة لا تقبل التجزئة، إذا ما أُريد استعادة السلم المجتمعى العالمي، وسيظل الأزهر الشريف، عبر مرصده، حائط الصد الأول فى مواجهة الكراهية، وصوت العقل الداعى إلى العدالة للجميع دون تمييز.









