تجربة الكاتبة القطرية هدى النعيمى الحاصلة على جائزة كتارا لعام 2025 تعد نموذجاً لكاتبة لم تحصر نفسها فى نوع أدبى واحد، بل تنقلت بين القصة والرواية والمسرح، بهدوء أسلوبى وجرأة فكرية، واضعة الكتابة فى موقعها الحقيقى: أداة لفهم الإنسان، وإعادة فتح ملفات التاريخ المنسى، من عمق النص لا من سطحه، تفتح الروائية القطرية هدى النعيمى نافذة صريحة على كواليس التحكيم، وتجربتها الإبداعية الممتدة بين الرواية والمسرح والقصة القصيرة.. من «زعفرانة» التى أعادت فتح ملف حرب ظفار المنسية، إلى «ختم خزعل» التى تضىء جرح الهوية فى عربستان، ومن لجان التحكيم إلى همّ الكتابة، كان هذا الحوار.
> فى البداية، كيف تنظرين إلى موقع الجوائز العربية اليوم مقارنة بالجوائز العالمية؟
ـ هناك تساؤلات مشروعة حول قدرة الجوائز العربية على إحداث صدى عالمى واسع، خاصة أن بعض الجوائز العالمية تتحول فور إعلان نتائجها إلى مشاريع ترجمة كبرى. هذا يفتح النقاش حول آليات الجوائز العربية، ومدى تأثيرها الحقيقى فى المشهد الثقافى، ليس فقط على مستوى التكريم، بل على مستوى التداول والانتشار.
> بحكم مشاركتك فى لجان التحكيم، كيف تقيمين نزاهة التحكيم فى جوائز مثل كتارا والمان بوكر العربية؟
ـ شاركتُ كمحكمة فى جائزة المان بوكر العربية عام 2012، وفى جائزة كتارا عام 2018، ولم أشهد خلال التجربتين أى تدخل أو ضغوط على قرارات لجان التحكيم، الاجتماعات كانت تعقد فى غرف مغلقة، ولا تعلن النتائج إلا بعد الوصول إلى قرار جماعى بالإجماع، سواء فى القوائم الطويلة أو القصيرة. وفى جائزة كتارا تحديدا، هناك آلية دقيقة تعتمد على كتابة تقارير تفصيلية عن كل عمل، ترفع إلى لجان أخرى تراجع التحكيمات نفسها دون الاطلاع المباشر على النصوص، وصولا إلى الأعمال الفائزة وكانت لهذه التجربة تأثيرا إيجابيا بعد بدأت كتابة الرواية والسيرة الذاتية وخرج كتابى «حين يبوح النخيل» وكان سيرة ذاتية روائية، وهو أول دخول حقيقى لى إلى هذا العالم، استغرق وقتا طويلا، وأُعيدت كتابته أكثر من مرة حتى خرج بصيغته النهائية، هذه التجربة علّمتنى الصبر، وأعادت تشكيل علاقتى بالنص.
> روايتك «زعفرانة» أعادت طرح تاريخ حرب ظفار، كيف بدأت الفكرة؟
ـ أنا محبة لقراءة التاريخ، والفكرة الأساسية فى «زعفرانة» كانت إضاءة نقطة مظلمة. حرب ظفار استمرت أربعة عشر عاما فى جنوب سلطنة عمان، وهى جزء مهم من تاريخ الخليج، لكنها بقيت بعيدة عن الوعى العام لفترات طويلة، ولم أكتب الرواية من منظور توثيقى أو تأريخى، أنا لست مؤرخة، لكننى ألقى الضوء على هذه الأحداث، وتركت للقارئ حرية البحث والعودة إلى كتب التاريخ. الحقيقة هى التاريخ، والرواية كانت وسيلتى للإضاءة.
> وهل تعتقدين أن حصول الرواية على جائزة كتارا أسهم فى إعادة طرح هذا التاريخ؟
ـ بالتأكيد، الجائزة زادت الضوء على هذه اللحظة التاريخية التى رصدتها الرواية، ومنحتها فرصة للوصول إلى قراء لم يكونوا على دراية بتلك الحقبة.
> فى روايتك الأحدث «ختم خزعل»، ننتقل إلى عربستان، لماذا هذا الاختيار؟
> «ختم خزعل» تضىء واحدة من أكثر المناطق العربية تغييبًا فى الذاكرة الجمعية، وهى منطقة الأهواز «عربستان» وتستعيد تحولات الهوية ومحو الذاكرة العربية، عبر حكاية عائلة افتراضية تعيش صدمة تغيير الاسم والهوية، وتتشظى فى بقاع مختلفة وانا هنا لا أكتب التاريخ، لكننى أؤمن أن فهم الواقع الراهن لا ينفصل عن قراءة الماضى.
> بدأتِ مسيرتك بالقصة القصيرة، كيف تطورت رؤيتك الإبداعية؟
ـ أعمالى الأولى فى التسعينيات انشغلت بقضايا المرأة وحقوقها، ثم اتسعت الرؤية لاحقا نحو الهم الإنسانى العام، فمثلا فى مجموعتى القصصية «كليلة وهدى»، التى تضم ست عشرة قصة، اشتغلت على علاقة الإنسان بالكائنات الأخرى فالكتابة كائن حى، تتغير بتغير التجربة والمعرفة.
> للمسرح حضور واضح فى مسيرتك، ماذا يمثل لك؟
ـ المسرح عشق مبكر منذ الطفولة، من المسرح المدرسى إلى الدراسة الأكاديمية، ثم الكتابة المسرحية والنقدية. من أعمالى: «عرس الحيف»، «مجلس الحكمة»، و«الخيمة»، وصدرت فى كتاب واحد عام 2010، للمسرح قدسية خاصة، لأنه يقوم على علاقة مباشرة مع الجمهور، وكل كلمة أو حركة فيه لها معناها مسئوليتها.
> من الأصوات الأدبية التى تحبينها اليوم؟
ـ فى مصر أنا معجبة جدًا بكتابة القاص الكبير سمير الفيل، الحاصل على جائزة الملتقى العام الماضى. هو حتى اليوم مخلص للقصة القصيرة، وجد فى هذا القالب ما يرضيه، وهذا الإخلاص نادر ويستحق التقدير.
> روايتان متتابعتان عن التاريخ.. هل وجدت مبتغاك فى الكتابة التاريخية ؟
ـ الحقيقة الكتابة التاريخية ممتعة بقدر ما هى متعبة، لكن فى الأول والآخر الموضوع هو الذى يفرض نفسه على الشكل والنوع الذى سأكتبه.
> أغلب الكاتبات فى الوطن العربى بدأن الكتابة متأثرات بمحيط نشأن فيه ويكتبن عن أنفسهن وهمومهن الذاتية!
ـ نعم بالتأكيد الغالبية تبدأ كذلك، لكن مع الخبرة والتجربة تنضج تدريجيا وتبدأ فى تناول افكار أخرى فى كتابتها.
> أخيرا ما مشروعك القادم؟
ـ المشروع حاضر بالفعل بعنوان «ختم خزعل»، وقد خرج من مصر، أرض الكنانة، وأنا سعيدة جدًا بذلك. الرواية تضىء جزءًا من تاريخ المنطقة والخليج، وهو تاريخ قريب نسبيًا، منذ نحو مائة عام.









