تشهد العلاقات الأمريكية- الإيرانية منذ عقود حالة من المد والجزر والشد والجذب، وتعتبر أحد أكثر الملفات الدولية توترا وتعقيدا، بسبب خلافات عميقة حول العديد من القضايا، ممتدة منذ العام 1953، عندما ساعدت أمريكا الشاه محمد رضا بهلوى لتولى الحكم فى إيران، وفى نوفمبر 1979 هاجم طلاب من أنصار الخمينى السفارة الأمريكية فى طهران، واحتجزوا 52 رهينة 444 يوما، مطالبين بتسليم بهلوى الذى كان يخضع للعلاج فى واشنطن، وقطعت واشنطن علاقاتها مع طهران، وجمدت الأصول وفرضت عقوبات على النفط ، حتى تم الإفراج عن الرهائن عام 1981.
وهكذا وعلى مدى حوالى 73 عاما، تشهد العلاقات مناوشات مستمرة، وتصعداً وتهبطاً حسب الأحوال والأحداث، وخاصة عندما تقترب إيران من المناطق التى تعتبرها أمريكا حساسة وتستهدف مصالحها فلا تتردد فى اتخاذ إجراءات رادعة بعقوبات اقتصادية أو استهداف شخصيات أمنية وقيادية أولأتباع إيران فى المنطقة.
وكانت الضربات المتبادلة والهجوم على المنشآت النووية الإيرانية فى يونيو، أقرب إلى استعراض القوة وتدخلت إسرائيل فيها، ثم تصاعد التوتر فى الأسابيع الأخيرة، خصوصاً بعد تهديدات ترامب بتنفيذ ضربة عسكرية لوقف تنفيذ إعدام 800 من المعتقلين على خلفية التظاهرات فى إيران، وفى كل لحظة تقترب المواجهة أكثر مع الحشد الأمريكي، من حاملات الطائرات والمدمرات والمقاتلات، بجانب استعدادات القواعد الكثيرة فى المنطقة والتى تشهد تعزيزات إضافية.
ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية، يسعى ترامب إلى الاستفادة من الوضع المضطرب ورفع سقف التهديدات لإضعاف النظام الإيرانى أكثر، وردت إيران بتحذير من أن أى هجوم يُعد حربا شاملة تستدعى أسلوبا مماثلا فى الرد، وأنها فى حالة جاهزية كاملة بأجهزتها الدفاعية والهجومية.
ويقلل خبراء من تصريحات إيران وأنها ليست جديدة، وتقليدية ومتكررة، ولا تعبّر عن حقائق عملية سياسية أو عسكرية، وفى المقابل هناك انقسام داخل إدارة ترامب بعضها يطالب بضرورة التوقف عن التدخل فى الشرق الأوسط، وتجنب الانزلاق إلى مزيد من الحروب، ووصف البعض الموقف الأمريكى بـ»الجعجعة بلا طحن».
وبعدما كانت الضربة الأمريكية بين عشية وضحاها، خفّف ترامب حدة نبرته وبدأ يراجع حساباته، وطالبت الولايات المتحدة بأربعة مطالب، هى وقف البرنامج النووى الإيراني، وتسليم اليورانيوم المخصب، وتدمير الصواريخ الباليستية التى تمتلك مدى يسمح باستهداف إسرائيل، وعدم تشكيل تهديد فى المنطقة عبر القوى المؤيدة لها.
وحتى الآن، لا يمكن التنبؤ بما سيحدث، ولا أحد يمكنه قراءة ما فى رأس ترامب، وكان آخر تصريحاته «لا أستطيع إخباركم، لكن لدينا سفن قوية متجهة إلى هناك»، ورفض الإفصاح عن قراره النهائى بشأن الهجوم على إيران، وتسود لغة التهديد والوعيد وتفرض نفسها، وتتجدد التصريحات، ويبقى المشهد على كل الاحتمالات.
وطوال العقود الماضية، كنت عن نفسى أصاب بالرعب من التصريحات المتبادلة بين طهران وواشنطن وكأنها تنذر باندلاع حرب عالمية ثالثة من شدتها وتهورها، لكنها كانت فى النهاية مجرد مناوشات مثل ما بين «توم وجيري»، تثير الضحك – وشر البلية ما يضحك – فالتصريحات الإيرانية المتكررة تهدد بالرد على قلب إسرائيل وتدمير القواعد الأمريكية، وتصريحات أمريكا كما لو أنها ستمحو إيران من الوجود.
لا أحد يريد الحروب، ونتمنى أن تكون الحلول الدبلوماسية ناجعة، لأن الأزمة لا تخص الطرفين فقط، إنما تلقى بظلالها على العالم كله وخاصة منطقة الشرق الأوسط المضطربة بطبيعتها، وبالطبع ستؤدى إلى موجات هجرة كبيرة، وأزمات اقتصادية عالمية تزيد الأزمات القائمة بجانب ما تسببت فيه الحرب الروسية الأوكرانية وغيرها من بؤر التوتر الملتهبة.
وكان الدور المصرى حاضرا، لمحاولة احتواء الأزمة، بجهود حثيثة ورسائل حاسمة، وأكد الرئيس السيسى أكثر من مرة ضرورة تغليب الحوار، وتجنّب التصعيد ورفض الحلول العسكرية، وشدد على أن الحلول الدبلوماسية هى السبيل الوحيد والأمثل للتسوية، لتجنيب المنطقة المزيد من التوتر.
وأكد الرئيس استمرار مصر فى بذل جهودها الرامية إلى عودة الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات، وصولا إلى تسوية سلمية وشاملة، بما يعزز الاستقرار الإقليمى والدولي.









