كلما اقترب عقرب ساعة القيامة من منتصف الليل، يتعامل العالم مع الأمر كخبر عابر، رقم جديد فى نشرة علمية، تحذير يمكن تأجيله حتى إشعار آخر. لكن هذا العقرب لا يتحرك بفعل الصدفة، ولا بسبب جنون الطبيعة، بل نتيجة تراكم طويل من قرارات بشرية اتُّخذت بلا ضمير، وبلا محاسبة، وبلا خوف من العواقب. وفى اللحظة نفسها التى كان فيها العلماء يدقّون ناقوس الخطر، كانت قضية جيفرى إبستين تفتح ثغرة عميقة فى الجدار السميك الذى أخفى طويلاً حقيقة النخب الحاكمة: عالم يُدار من أعلى، ويُفسد من الداخل.
>>>
ساعة القيامة لا تتحدث عن نهاية غيبية، بل عن نهاية سياسية محتملة. هى مرآة تعكس عجز النظام الدولى عن كبح شهوته للقوة، وعن الاعتراف بأن من يمسكون بمفاتيح الدمار لا يخضعون فعليًا لأى مساءلة. وفى المقابل، جاءت قضية إبستين لتقدّم دليلاً فاضحًا على أن المنظومة ذاتها التى تزعم حماية العالم، فشلت فى حماية أبسط القيم الإنسانية. لم يكن إبستين استثناءً شاذًا، بل كان عرضًا لمرض أعمق اسمه الإفلات من العقاب حين يتعلق الأمر بالنافذين.
>>>
وفق وثائق قضائية وشهادات موثقة، واجه إبستين اتهامات باستغلال عشرات القاصرات على مدى سنوات، بعض التقديرات الصحفية تحدثت عن أكثر من خمسين ضحية محتملة، بينما قُدّمت لاحقًا دعاوى وتسويات باسم ما يزيد على مئة امرأة. ومع ذلك، فى عام 2008، انتهت قضيته الأولى باتفاق قضائى مخفف مكّنه من قضاء أقل من عام فى سجن ذى امتيازات خاصة، مع السماح له بمغادرته لساعات يوميًا. أى نظام هذا الذى يخفف عقوبته إلى هذا الحد، ثم يطلب من العالم أن يثق فى عدالته؟
>>>
لم تكن الأرقام وحدها صادمة، بل السياق. سجلات الطيران التى كُشف عنها لاحقًا تحدثت عن عشرات الرحلات على متن طائرته الخاصة، التى ارتبط اسمها بقائمة طويلة من الشخصيات النافذة. جزيرته الخاصة، التى وُصفت فى تقارير إعلامية بأنها مسرح لانتهاكات ممنهجة، لم تكن خفية عن أعين السلطات لسنوات. ثروته التى قُدّرت بمئات الملايين من الدولارات ظلّ
مصدرها غامضًا، وشبكة علاقاته امتدت عبر السياسة والمال والإعلام. السؤال المرعب هنا ليس: ماذا فعل إبستين؟ بل: كيف سُمح له أن يفعل كل هذا دون أن يُمس؟
>>>
ما كشفته القضية لم يكن شبكة جرائم فقط، بل شبكة صمت. صمت سياسي، وصمت إعلامي، وصمت قانونى. أسماء كبيرة مرّت فى محيطه ثم انسحبت بهدوء، بلا تحقيقات مكتملة، بلا استجوابات علنية، بلا محاسبة تليق بحجم الفضيحة. حتى موته داخل زنزانته، تحت رقابة يُفترض أنها مشددة، فتح بابًا واسعًا للتساؤلات: كيف يفشل نظام أمنى متطور فى حماية أهم شاهد فى قضية من هذا الحجم؟ ومن المستفيد من غياب الحقيقة الكاملة؟
>>>
الربط بين إبستين وساعة القيامة ليس ادعاءً لمؤامرة كونية، بل قراءة واقعية لمنطق السلطة فى عالم اليوم. المنطق نفسه الذى يسمح بتراكم آلاف الرءوس النووية القادرة على تدمير الكوكب مرات عدة، هو الذى يسمح بتراكم النفوذ فى أيدى قلة لا تُسأل عمّا تفعل. المنطق ذاته الذى يؤجل مواجهة الانهيار المناخى رغم وضوح أرقامه، هو الذى يؤجل العدالة حين تكون مكلفة سياسيًا.
>>>
العالم اليوم لا يقف على حافة الهاوية لأنه يفتقر إلى المعرفة، بل لأنه يفتقر إلى العدالة. نعرف عدد الرءوس النووية، نعرف معدلات الاحتباس الحراري، ونعرف أيضًا عدد الضحايا اللواتى لم يحصلن على إنصاف. السؤال الحقيقى لم يعد: هل نرى الخطر؟ بل: لماذا نقبل به؟ ساعة القيامة تُحرّكها قرارات تُتخذ فى غرف مغلقة، وقضية إبستين تخبرنا بأن تلك الغرف ليست فقط مغلقة، بل محصّنة ضد المحاسبة.
>>>
النفاق هو السمة الأبرز لهذا العصر. نخب تتحدث عن حقوق الإنسان بينما تفشل فى حماية الأطفال، تحذر من نهاية العالم بينما تصنع شروطها، وتطالب بالثقة بينما تشترى الصمت. فى هذا العالم، تصبح الحقيقة عبئًا، والضحايا أرقامًا، والعدالة ملفًا مؤجلاً.
>>>
الخطر الحقيقى ليس فى اقتراب منتصف الليل، بل فى الاعتياد عليه. فى أن تتحول التحذيرات إلى روتين، والفضائح إلى ضجيج عابر، والجرائم إلى هوامش منسية. وما لم يُكسر هذا المنطق، وما لم تُحاسَب النخب التى تدير العالم بلا ضمير، فإن عقرب الساعة سيواصل تقدّمه، لا لأن النهاية حتمية، بل لأن أحدًا لم يجرؤ على إيقافه
>>>
منتصف الليل ليس قدرًا سماويًا، بل قرارًا بشريًا مؤجل التنفيذ.
والعالم لا يُدمَّر فجأة، بل يُخون ببطء.









