المال ليس مجرد وسيلة للتبادل، بل مرآة تعكس كيف يفهم المجتمع القيمة، والثقة، والمسؤولية الأخلاقية. ولهذا لم ينظر الإسلام إلى المال بوصفه شيئًا محايدًا، بل اعتبره أمانة واختبارًا ومسؤولية؛ وذلك لحماية الإنسان من كل نظام يقوم على الاستغلال والظلم.
لقد انتقل تاريخ البشرية من نظام المقايضة إلى المعادن (الذهب والفضة: الدينار والدرهم)، ثم إلى العملات الورقية، وصولًا إلى القيم الرقمية. واليوم توجد ثلاثة أنظمة مالية رئيسية على المستوى العالمي: الذهب، والعملات الورقية (الرسمية)، والعملات الرقمية المشفّرة.
ومن المنظور الإسلامي، ليس السؤال الأساسي: أيُّ هذه الأنظمة أكثر حداثة أو أكثر ربحًا؟ بل السؤال الحقيقي هو: أيُّ نظام يعزّز العدل، ويمنع الاستغلال، ويحول دون تركز الثروة في أيدي قلة؟ وقد عبّر القرآن عن هذا المبدأ بقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾.
في الفكر الاقتصادي الإسلامي، لا يُعدّ الذهب والفضة مجرد معادن، بل يمثلان الثمن الحقيقي (Real Money)؛ فقيمتهما لا تعتمد على إعلانٍ من الدولة أو سلطة سياسية، بل تقوم على قيمة ذاتية فطرية وعالمية.
ولهذا ارتبطت في الفقه الإسلامي الكلاسيكي أحكام الزكاة، والربا (الفائدة)، والمعاملات المالية ارتباطًا مباشرًا بالدينار والدرهم.
وهذا ما يترجمه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، مثلًا بمثل، يدًا بيد»؛ حيث يبيّن هذا المبدأ أن الإسلام يجعل العدل، والشفافية، ومنع الاستغلال أساسًا في المعاملات المالية.
وهناك عدد من الخصائص الإسلامية للذهب، منها أنه يمتلك قيمة ذاتية وحقيقية، ولا يمكن إنتاجه بلا حدود، مما يحدّ من التضخم.
ولهذا يرى الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل أن الذهب والفضة هما المعيار الأصلي للنقد. غير أن هناك صعوبات عملية مثل مشكلات التخزين والنقل والأمن، وعدم ملاءمته للمعاملات الحديثة السريعة والعالمية، وعدم توافقه الكامل مع الاقتصاد الرقمي.
العملات الورقية الحديثة (مثل الدولار والجنيه واليورو) لا تمتلك قيمة ذاتية؛ فقيمتها قائمة على الضمان الحكومي، والقانون، وثقة الناس، وهي مرتبطة ارتباطًا كاملًا بالسيطرة الرسمية للدولة.
ومن المنظور الإسلامي، يواجه هذا النظام عدة إشكالات خطيرة ممثلة في القدرة غير المحدودة على طباعة النقود، والتضخم الذي يقع عبؤه الأكبر على الفقراء، والارتباط العميق بالنظام المصرفي الربوي، وتوسّع الاقتصادات القائمة على الدَّين.
وقد حذّر القرآن من الربا تحذيرًا شديدًا، وتوعّد بإعلان الحرب على النظام الربوي؛ ولهذا يرى كثير من العلماء أن العملات الورقية ليست نظامًا مثاليًا بذاتها، لكنها تمثل ضرورة واقعية.
فلماذا لا يرفضها الإسلام رفضًا كاملًا؟ لأن الإسلام يقرّ مبدأ الضرورة؛ ففي واقع اليوم تقوم التجارة العالمية عليها، وتعتمد الأجور والمعاملات اليومية عليها، ويُدار النظام الإداري للدول من خلالها.
وبناءً على ذلك، أجاز مجمع الفقه الإسلامي وغيره من الهيئات الفقهية استخدامها في حال الضرورة، مع بقاء النقد الأخلاقي للنظام الربوي.
بينما تقوم العملات الرقمية المشفّرة على البرمجة، والتشفير، والأنظمة الموزعة بدلًا من الحكومات، وقد جعلها التحرر من البنوك المركزية ومحدودية العرض جذابةً لمن يبحث عن بديل للنظام المالي الربوي.
ولها عدد من الجوانب الإيجابية المحتملة في أنها ليست قائمة بذاتها على الربا، ومحدودية العرض في كثير منها، وشفافية تقنية.
وتتشابه هذه الخصائص جزئيًا مع الذهب، لكن تبقى إشكالات شرعية كبرى نتيجة تقلبات حادة في الأسعار، والمضاربة والسلوكيات الشبيهة بالمقامرة، والغرر (عدم اليقين)؛ لأن كثيرًا من المستخدمين لا يفهمون النظام فهمًا كاملًا، وممارسات تقترب من الميسر (القمار).
ولهذا خلص علماء ومؤسسات معاصرة (مثل دار الإفتاء المصرية ودار العلوم ديوبند وغيرها) إلى أن: العملات الرقمية ليست محرّمة بذاتها، لكن الاستخدام السائد لها غالبًا ما يتعارض مع الضوابط الشرعية.
لا يقبل الإسلام نظامًا لمجرد قِدمه، ولا يرفضه لمجرد حداثته، بل يطرح أسئلة جوهرية: هل يحقق العدل؟ وهل يحمي الضعفاء؟ وهل يحدّ من الجشع والمقامرة والاستغلال؟
في النهاية، ليست المشكلة في المال ذاته، بل في نية الإنسان وسلوكه وخياراته الأخلاقية. فالإسلام يدعو إلى إصلاح الإنسان قبل إصلاح النظام، ثم يعلّم الإنسان كيف يتجنب كل نظامٍ استغلالي يتعارض مع العدل والأمانة.








