لا يمر الناقد والمفكر المغربى الدكتور سعيد يقطين على النص مرور العابرين.. لكنه يسكن النص ويستنطقه.. محولا القراءة من مجرد انطباع عابر إلى «علم» له أصوله وجمالياته.. ليفك شفرة الحكاية العربية.. ويعبر بالسرديات من ضفاف التنظير الغربى إلى عمق التراث العربى والمعاصر باحثا فى بنية النص عن روح الأمة.. وفى أجواء الرواية عن أفق الإنسان.. حتى أصبح اسمه مرادفًا للدقة المنهجية التى لا تقتل سحر الخيال.. بل تمنحه أبعادًا أرحب وآفاقًا أوسع.
ولأن القاهرة تشهد عرسها الثقافى المتمثل فى معرض الكتاب الدولى فقد استقبلت الدكتور سعيد يقطين باعتباره واحدًا من أبرز العقول النقدية فى الوطن العربى ليحل ضيفاً عزيزاً على أروقة المعرض.
جاء يقطين إلى القاهرة وفى حقيبته عقود من البحث المضنى فى تحليل الخطاب السردي.. حاملا مشروعه الفكرى الذى يسعى لتأصيل السرد العربى قديمًا وحديثًا.. وفى خضم فعاليات المعرض كان لنا معه هذا اللقاء الممتد.. لنبحر معه فى شئون الأدب وشجونه.. ولأن أديبنا الكبير نجيب محفوظ هو «شخصية المعرض» ورمز السردية العربية الأكبر.. كان لزاما علينا أن نبدأ من عتبة «صاحب نوبل» لنعرف كيف يقرأ «يقطين» عالم محفوظ بعيون بنيوية وسردية معاصرة.. فإلى نص الحوار:
> كيف استطاع نجيب محفوظ أن ينقل الرواية العربية من الحكاية التعليمية إلى البناء الفلسفى الذى يضاهى الأدب الروسى والفرنسى؟
>> أولاً.. نجيب محفوظ كاتب متميز له شخصية ذاتية متفردة.. هذا إلى جانب كونه أنتج رواية عرفت تطورا كبيرا منذ بدايتها إلى نهاية حياته.. وظلت روايته تتطور باستمرار.. وهذا هو الذى أعطاه إمكانية التطوير ليس فقط الرواية ولكن تطوير الأنواع التى كتب فيها صانعا بذلك تاريخا متميزا ليس فقط للرواية المصرية.. ولكن للرواية العربية بصفة عامة.. وهذا ما جعله متميزا فى الإبداع السردى الروائى العربى بصفة عامة.
الرؤية السردية
> ما هى المكونات التى شكلت الرؤية السردية عند نجيب محفوظ؟
>> يمتلك نجيب محفوظ خلفية ثقافية معرفية جاءت من خلال اهتمامه ودراسته للفكر وللفلسفة.. وهى أيضاً وليدة الخلفية الإعلامية والصحفية المتصلة بالحياة اليومية.. مما جعله يواكب الفكر وتحولات الواقع فى آن واحد.
> فى نظرك ما أثر البعد الفلسفى فى إنتاج نجيب محفوظ الأدبى؟
>> لعب هذا البعد دوراً مهماً جداً فى جعل نجيب محفوظ يفكر فى «اليومى» من خلال «الخيالي».. وهو ما نلمسه فى مواكبته التاريخية لتحولات المجتمع المصرى منذ بداياته حتى وفاته.. كما فى «شذرات» و«أصداء السيرة الذاتية» و«أحلام فترة النقاهة».
> كيف تصف الاحترافية عند نجيب محفوظ التى انطبعت فى أعماله حتى وصل لذروة الإبداع؟
>> الكاتب المحترف هو الذى تصبح الكتابة جزءا من حياته فإذا لم يكتب فلا حياة له، لكن هذه الاحترافية عند محفوظ مميزة لأنها مؤسسة على خلفية معرفية وهاجس يومى بتحولات الواقع.. مما يعطيها أثراً لا نجده عند غيره.
> حدثنا عن تشكل المشروع السردى لمحفوظ عبر الزمن.. وما سر فترات توقفه عن الكتابة؟
>> يظهر المشروع من خلال «التحقيب التاريخى» وغزارة الإنتاج.. وعندما كان يستعصى عليه التفكير كان يتوقف للتأمل حتى تنضج الرؤية.. ثم يستأنف لنجد أنفسنا أمام رجل آخر يواكب حقبة جديدة بخلفية وجذور ثابتة وصارمة.
الشكل الروائى
> ما هى نظرتك إلى تطور الشكل الروائى وتصنيف الأنواع عند محفوظ؟
>> لابد من إعادة قراءة تطور الشكل الروائى داخل تجربة محفوظ نفسها وليس فقط ربطها بالتحولات التاريخية.. فالرواية عنده «سجل» ثقافى.
> ما هى المشكلة التى يطرحها الدكتور يقطين حول مفهوم «النوع» فى الأدب العربى «الرواية والشعر»؟
>> غياب تحديد النوع يخلق أزمة فى الهوية والتفاعل.. فالرواية يجب أن تتمايز بأنواعها لتخلق ميثاقاً مع القارئ.
> ما الذى يميز تجربة نجيب محفوظ من حيث التنوع الموضوعى؟
>> كتب نجيب محفوظ الرواية التاريخية والواقعية والرمزية والبوليسية وشبه البوليسية والتجريبية أيضا.. كما كتب الرحلة والرواية العائلية وما شابه ذلك من الأنواع التى لا نجدها تجتمع لدى الكثير من الروائيين العرب وهذه الميزات تبين لنا التحولات التى عرفتها تجربته ليس فقط على مستوى التاريخ ولكن كذلك على مستوى النوع.
> كيف أثّر ظهور نجيب محفوظ على مكانة السرد الروائى فى الثقافة العربية الحديثة؟
>> لقد أعطى نجيب للسرد حضوره المتميز.. والسرد الروائى بالخصوص فى ثقافتنا الحديثة.. فقد جاء نبوغ محفوظ فى الوقت الذى بدأت فيه القصيدة العربية تتحول لتدخل مساراً جديداً منذ أواخر الأربعينيات.. ولكن السرد الروائى فرض نفسه.. ليس فقط مع نجيب محفوظ بل ومع الأجيال الجديدة أيضاً.
إعادة قراءة
> لماذا تراهن على إعادة قراءة نجيب محفوظ اليوم؟
>> لأن إعادة قراءته تعطينا رؤية مستقبلية للسرد العربى الحديث بصفة عامة.. وتجعلنا نعتبره «الروائى الكلاسيكى» بالمعنى الإيجابى للكلمة.. فأى إنتاج روائى لا يستند إلى الكلاسيكية التى أسست القواعد حتى وإن تجاوزناها فإنه يكون «سردا منبتاً».
> بأى طريقة تتحقق استمرارية تجربة نجيب محفوظ فى الواقع الثقافى والأكاديمى؟
>> يتحقق ذلك من خلال الجلسات العلمية والدراسات الأكاديمية التى تجدد رؤيتنا له وللعصر السردى الذى عاش فيه.
> كيف يجب أن نفهم الأجناس الأدبية والخطاب الإنسانى؟
>> مشكلة الأجناس الأدبية هى ليست كما نفهمها.. هى قواعد علينا تطبيقها.. وهى مواثيق الخطاب.. فأى خطاب من الخطابات التى ينتجها الإنسان لها قواعدها وضوابطها وبنياتها ومقاصدها.. وعندما لا ننتج خطابنا وفق هذه القواعد – التى تعتبر متعالية على الزمان والمكان – فإننا نخرج عن ميثاق هذا الخطاب.
> هل يعنى التزام الكاتب بالقواعد أنه يكتب بآلية «المسطرة» والجمود؟
>> لا.. فعندما نقول إن نجيب محفوظ كتب رواية وفق القواعد التى علينا أن نبحث فيها.. فهذا لا يعنى أبداً أنه وضع «المسطرة» وبدأ يكتب. القواعد موجودة لكن الإبداع يكمن فى كيفية التعامل معها والبحث فيها.
الخطاب الأدبى
> ما الذى يجعل الخطاب الأدبى عملاً أدبياً بحق؟
>> هى «الروائية» أو «النوعية» أو ما سماها الشكلانيون الروس «الأدبية».. هذه النوعية هى التى تمنح الخطاب الأدبى صفته.. وعندما لا تتوفر هذه القواعد والخصائص فى النص فإنه يفقد مشروعيته النصية.
> هل القواعد الأدبية قوالب جاهزة ومشتركة يكررها الجميع؟
>> لا.. القواعد ليست مسطرة جامدة يسير عليها الجميع. فقصيدة المدح عند المتنبى ليست هى قصيدة المدح عند أبى تمام أو أبى فراس الحمدانى أو أحمد شوقى، رغم اتحاد الغرض. الإبداع الحقيقى هو من يبدع «داخل النوع»، فكم من رواية بوليسية كُتبت.. ولكن القليل منها فقط يظل رواية كلاسيكية تصمد على مر التاريخ.
> لماذا يعانى الفكر العربى فى إنتاج نص أو فكر تاريخى؟
>> لأن التاريخ الأدبى جزء من تاريخ الأفكار.. وعندما نفكر خارج التاريخ لايمكننا أن ننتج تاريخاً للنص أو للفكر. واحدة من معضلات فكرنا العربى أنه يفكر خارج تاريخ الأفكار.. وغير قادر على وضع موقع تاريخى لنفسه.. لذا فنحن نكتفى بأخذ شذرات واتجاهات من فكر الآخر دون أن نبلور سؤالاً يحدد لنا ماهية الفكر الذى نريده نحن.
الرواية التاريخية
> لماذا يتهرب بعض الروائيين من تصنيف أعمالهم كـ«رواية تاريخية»؟
>> يعود ذلك للصورة الذهنية التى صنفت الرواية التاريخية كأدب من الدرجة الثانية.
> لماذا يعلن سعيد يقطين انحيازه للفهم ضد التأويل فى النقد الأدبى؟
>> التأويل بدون فهم أو تفسير هو مجرد تعبير عن أفكار وأيديولوجية الناقد الشخصية.. بينما الفهم هو الأساس الضرورى للتحليل والنقد العلمى الصحيح.
> ما هو العائق الجوهرى فى كليات الآداب العربية وما علاقة ذلك بالتحولات الحديثة كالذكاء الاصطناعى؟
>> العائق هو أنها تُخرج «موظفين» لا«علماء مختصين».. مما يجعل المشتغل بالنقد الأدبى يشعر بالغربة والقلق أمام التحولات العصرية الكبرى كالذكاء الاصطناعى.









