د. ضيف الله: خطوة متأخرة لكنها على الطريق الصحيح
يأتى مؤتمر شعر العامية فى نسخة معرض الكتاب هذا العام باعتباره أحد أهم الإضافات اللافتة فى برنامج فعاليات المعرض ضمن عدد من مؤتمرات اليوم الواحد التى انعقدت منذ بداية المعرض وشملت عدداً من المحاور والحقيقة أن شعر العامية كان يحتاج لتلك الخطوة التى تعد بداية وإلقاء لحجر راكد منذ سنوات بعد أن صار المشهد الإبداعى لشعر العامية يحتاج إلى كثير من التفكيك وإعادة النظر والتصنيف وفق معايير جمالية أصيلة تحدد المحطة التى وصل لها قطار العامية الذى قاده شعراء كبار مثل فؤاد حداد والأبنودى وجاهين وفؤاد نجم وغيرهم.. وقد خلص عدد من الشعراء والباحثين على مدار عدة جلسات بحثية ونقاشية إلى مجموعة مهمة من التوصيات قرأتها الناقدة والشاعرة رشا الفوال وتلك التوصيات هى:
1 – ضرورة اهتمام الجامعات المصرية بدراسة شعر العامية وتشجيع طلاب الماجستير والدكتوراه بإعداد رسائل علمية عن شعرائه وظواهره الفنية، وأن يتم إدراج مقرر شعر العامية الحديث ضمن لوائح الكليات المعنية بالأدب العربى والعلوم الإنسانية بشكل عام بوصفها مكونًا ثقافيا وجماليًا أصيلاً من مكونات الهوية المصرية.
2 -استئناف مجمع اللغة العربية دوره الريادى الذى قام به المجمعى الجليل د. خليل عساكر فيما يخص وضع قواعد لتدوين العامية والعمل على تشكيل لجنة من الخبراء بالعامية المصرية للاتفاق على وضع قواعد دقيقة لتدوين العامية خاصة أن هناك التباسات دِلالية متزايدة نتاج أخطاء التدوين.
3 – إقامة هيئة الكتاب مؤتمر سنوى لشعر العامية يجمع بين الندوات البحثية والموائد المستديرة والأمسيات الشعرية خلال معرض الكتاب، مع طبع أعمال المؤتمر فى كتاب سنوى.
4 – التخطيط لمؤتمر شعر العامية السنوى بحيث يشمل كافة التيارات والأجيال الشعرية وتوفير فرصة أكبر للشعراء الشباب والشاعرات من مختلف محافظات مصر للمشاركة والتعريف بمنجزهم الشعرى ودراسته.
5 – إصدار هيئة الكتاب مجلة تعنى بشعر العامية المصرية ودراسته.
6 – أسوةً بمختبر السرد ومختبر شعر الفصحى، نوصى مكتبة الإسكندرية بتأسيس مختبر شهرى لدراسة شعر العامية ومناقشة قضاياه النقدية ومتابعة الإصدارات الحديثة من دواوينه.
7 – عدم تكرار ما حدث فى جائزة الدولة التشجيعية هذا العام بخصوص رفع شعر العامية من قائمة الجوائز.
8 – نطالب وزير الثقافة وأمين المجلس الأعلى للثقافة بأن يخصص جائزة للتفوق لفرع شعر العامية أسوة بفروع الجائزة الأخرى كالقصة والرواية وشعر الفصحي، حتى لا تقتصر جائزة شعر العامية على الجائزة التشجيعية فقط.
9 – ضرورة قيام الهيئة العامة لقصور الثقافة بإعادة هيكلة جائزة الإبداع الأدبى فى مسابقة الثقافة الجماهيرية لتكون أربع جوائز تشمل «شعر فصحى – شعر عامية – قصة – رواية»، لما يقع على شعر العامية من ظلم واضح حين تكون الجائزة واحدة وتحت عنوان الإبداع الأدبى فيكون الانحياز المتوقع ليس فى صالح شعر العامية لأسباب ثقافية ومؤسسية.
10 – إعداد دليل توثيقى لشعراء العامية ونقادها ودارسيها وإصداره عن اتحاد الكتاب، أو إحدى مؤسسات وزارة الثقافة المعنية بالأمر.
جدير بالذكر أن المؤتمر نظمه وترأسه الناقد د. سيد ضيف الله والذى يعد هو الأول من نوعه فى فعاليات معرض الكتاب على مدار تاريخه قد شارك فى جلساته على مدار اليوم عدد من أبرز شعراء العامية ونقادها من أجيال مختلفة منهم: يسرى حسان، مسعود شومان، محمود الحلوانى، مدحت منير، سمير الأمير، أمل سالم، سعيد شحاته، رشا الفوال، سيده محمود، وعدد آخر كبير من الشعراء والإعلاميين.
رفع الوصاية
وعلق د. ضيف الله رئيس المؤتمر قائلا:
وأرجو أن يكون هذا المؤتمر بداية لرفع الوصاية عن شعر العامية، فالوصايةُ على الشعر تستند إلى مفهومٍ للشعر يعتنقه الأوصياء، فلا يستطيعون أن يروا شعرًا إلا المحتذِى لآثارهم وآثار أسلافهم من الأوصياء. وفى لحظة المواجهة مع شاعرٍ حقيقى يفرض نفسه عليهم وعلى المجتمع رغم تبنيه لمفهوم مختلف للشعر، لا يكون أمامهم سوى تهميشه فى البدء ثم محاولة احتوائه فى المُنتهي. ومن أهم سبل الاحتواء عند هؤلاء قبول الشاعر والاعتراف بعبقريته ورفض مفهومه للشعر.
وأضاف: حدث ذلك مع بيرم التونسى وفؤاد حداد وصلاح جاهين وعبدالرحمن الأبنودى ومن تلاهم من شعرائنا الكبار، يقبلون شاعرًا لا يستطيعون إلا قبوله، وربما كان قبولهم لهذا الشاعر الكبير أو ذاك، ليس إلا لتبييض وجه النقد والنقاد فى مرحلة التقاعد!
قال أيضا: كم أتمنى أن أقول كلمة «شعر» فقط ليُفهم مقصدى منه، شعر المتنبى وفؤاد حداد، شوقى وبيرم التونسي، صلاح عبدالصبور وصلاح جاهين، أمل دنقل وعبدالرحمن الأبنودي، أدونيس ومجدى الجابرى، الماغوط ومحمود الحلواني، وهكذا وببساطة وإلى ما لا نهاية من قائمة لا تنتهى من أجمل الشعراء الحاضرين اليوم والغائبين عنا فيزيقيًا، لكن لا أحد يستطيع أن يغيِّبهم إذا ما ناديتم على الشعر من أجل الشعر، وهكذا وببساطة حتى يكونَ للشعر معيارُه الواحد الوحيد وهو أن يكون الشعرُ شعرًا دون تمييزٍ بين مستوى لغوى وآخر، لكن كان هذا ومازال وسيبقى من الألغاز النقدية التى لم أفهمها، لماذا نعامل شعر العامية كامرأة نحبها، ولا نقبل أن نتزوجها؟!
لماذا نصفق لشعرائها ليلاً ولا نُدخلهم لقاعات الدرس الجامعى والمقررات الدراسية والأطروحات الجامعية وأبحاث الترقيات العلمية؟ لماذا نقبل شاعرًا ونرفض مفهومه للشعر!
الإجابة ببساطة لأنه لا توجد خانةٌ جاهزة يمكن وضع شعر العامية الحداثى فيها وتستقيم الأمور بعد ذلك، جَرَّبوا خانة الأدب الشعبى فتملَّص منها، وجربوا خانة دراسة اللهجات فقفز منها، لم يبق أمامهم سوى أن يعترفوا بأن الشعرية العربية تثمر وتتطور بشعر العامية المصرية بشكلٍ يضيف للشعر العربى جمالاً ونضجًا على المستوى الجمالى والسياسى والثقافى والفلسفي، وأن دراسة الحداثة الشعرية العربية لا يمكن الوفاءُ بها دون دراسةِ شعر العامية المصرية عبر أجياله المختلفة من بيرم التونسى وحتى أحدث ديوان صدر بالأمس القريب، ودون تقديسٍ لمرحلة الريادة تقديسًا يصبُّ فى مصلحة أوصياء الشعر ويصيب الشعر ذاته بالشلل الرباعي!
إن هذا المؤتمر خطوة متأخرة جدًا، لكنها خطوة على الطريق الصحيح، ومن المهم أن ندرك أنه ليس مؤتمرًا لفئة من المبدعين نراضيهم بمؤتمر، أو أن نتجمل بالتقاط صورة بجوارهم أو طباعة كتاب لهم، ذلك أن من يتأمل بدقة أوراق هذا المؤتمر وشهاداته يدرك أن مجتمع المثقفين والأكاديميين يعانى من شيزوفرينيا ثقافية! ويجب أن تُواجه بتخطيط ثقافى وتعليمى واعٍ بأهمية تجسير الفجوة بين مكونات الهوية الثقافية والجمالية للمواطن المصرى بشكل عام.









