حين قرر الصينيون القدماء تحصين دولتهم لجأوا إلى الحل الذى بدأ الأكثر منطقية فكروا فى بناء سور هائل يحيط بالبلاد ويمنع أى غزو محتمل، هكذا ولد سور الصين العظيم أحد أعظم الإنجازات الهندسية فى التاريخ رمزا للقوة والتخطيط بعيد المدى، غير أن ما بدأ عبقرياً من الخارج أخفى خللاً قاتلاً: فى الداخل. ففى خلال المئة عام التى تلت بناء السور تعرضت الصين لثلاث غزوات كبرى، المفارقة أن أياً من الغزاة لم يكن بحاجة إلى تسلق السور أو اختراقه بالقوة بل دخلوا من الأبواب بسهولة تامة بعد رشوة الحراس، السور صمد لكن الإنسان الذى وضع لحمايته لم يصمد. هذه القصة تكشف حقيقة سياسية وتاريخية لاتسقط بالتقادم أن الدول لا تهزم بسبب ضعف تحصينها المادى إنما بسبب هشاشة منظومتها القيمية، الصينيون ركزوا على الحجر وأهملوا البشر استثمروا فى الجدران ونسوا بناء النزاهة فأصبح السور العظيم بلا قيمة حقيقية أمام حارس قابل للبيع. العبرة هنا أعمق من مجرد واقعة تاريخية، لا القوانين تحمى إذا فسد من ينفذها ولا السلاح يردع إذا غابت الأخلاق ولا الأنظمة تصمد إذا كان الفساد جزءاً من بنيتها، أخطر تهديد لأى دولة لا يأتى من خارج حدودها بل من داخل مؤسساتها حين تتحول المسئولية إلى سلعة والوظيفة إلى باب خلفى للاختراق. بناء الدول لا يبدأ بالأسوار ولا ينتهى بالتحصينات ولكن يبدأ ببناء الإنسان بوعيه وضميره وانتمائه، الحارس النزيه أقوى من أعلى سور والعدالة أصلب من أى جدار، التاريخ يكرر رسالته بوضوح قاس من ينس بناء الحارس، سيكتشف يوماً أن أسواره مهما عظمت لا تحمى شيئاً. ولذلك فالمسألة لم تعد صينية ولا تاريخية بل إنسانية بامتياز، الدول اليوم تبنى كما لو أن الخرسانة بديل عن الوعى وتفتح المدن الذكية بينما تترك أبناءها لذكاء أكثر شراسة اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، خوارزميات تربى ومنصات تصوغ القيم وشاشات تحل محل الأسرة والمدرسة والدولة معا. المفارقة القاسية أن بعض أوطاننا تستثمر المليارات فى الواجهة وتبخل بالساعات على الطفل وتضيق العقول، النتيجة إنسان يعيش فى مدينة حديثة بعقل مرتبك يحمل هاتفا أسرع من وعيه ويتقن الاستهلاك أكثر مما يفهم عن الانتماء، هذا إنسان قابل للاختراق لا يحتاج عدواً خارجياً يكفى فراغ داخلى حتى تتحول الدولة إلى جدار بلا حارس. فالصين لم تنتصر بعد ذلك لأنها بنت سوراً قديماً أومدناً عملاقة لكنها صححت خطأها التاريخى لم تعد تراهن على الحجر وحده إنما راهنت على الإنسان بوصفه خط الدفاع الأول وربطت التعليم بالكرامة والعمل بالهوية والفشل بالتعلم، لذلك حين جاءت الخرسانة لاحقا جاءت محمية بوعى يعرف لماذا يبنى ولأجل من وكيف يصان. أما الدول التى تترك أبناءها ينشأون بلا حب ولارعاية ولا مشروع معنوى واضح ثم تتفاجأ بهم غاضبين منسلخين أو معادين لفكرة الوطن نفسها فهى لا تتعرض لمؤامرة بقدر ما تحصد اهمالها فأخطر الضربات لا تأتى من دبابة ولا من حصار بل من شاب فقد الانتماء ولم يجد فى وطنه معنى يستحق الدفاع عنه فأصبحت العولمة دينة والمنصة وطنه والمدينة مجرد مساحة بلا روح. الدرس واضح وقاس من لا يبن الإنسان أولاً سيبنى دولة جميلة قابلة للانهيار، ومن يترك التربية للصدفة والقيم للشاشة والانتماء للشعارات لا يحتاج غزواً خارجياً.. أبناؤه سيقومون بالمهمة دون أن يشعروا.









