في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام ودورته الـ 57 استوقفني عند الخروج من بوابة المعرض مساءً مشهد رجل بدا لي أنه تجاوز الستين من العمر بقليل ويرتدي ملابس شتوية متواضعة لكن نظيفة ومهندمة ويحمل في يده كيساً كبيراً من البلاستيك الشفاف.
ولمحت في أحد جوانب الكيس رغيفين ولفافة صغيرة من طعام، وبقية الكيس مجموعة من الكتب بأحجام وأغلفة مختلفة، وإن كنت لم أتبين عناوينها واقتربت من الرجل وألقيت عليه السلام فرد بابتسامة لم تخل من إجهاد ربما لتجوال طويل في أرجاء المعرض وسألته: هل تأتي إلى معرض الكتاب دائماً؟ وبصوت خفيض كمن يسترجع ذكريات، منذ أربعين عاماً تقريباً، أنا لم أكمل دراستي بالمدرسة، واستكمل تعليمي بما أقرأه، وهز رأسه مؤكداً على المعنى، أدهشني الرجل بإجابته.
فسألته، ماذا تعمل؟ فران قال لي واقتطع طوال السنة من يوميتي مبلغاً أدخره لأيام المعرض الذي أحصل على أجازة من العمل طوال أيامه. إنه عيد بالنسبة لي، ولدى مكتبة لا بأس بها، لم أتزوج وليس لي أولاد لكن أقرأ وأحاول أن أعوض ما فاتني من معرفة وثقافة.
أعطيت له دعوة مجانية تزدان بصورة الرائع (نجيب محفوظ) شخصية هذا العام وأنا أحدث نفسي، مثلك تقام له ندوة واحتفالية لنسمع تجربتك مع القراءة ونحتفي بك أيها القارئ الأجمل لماذا نقرأ؟ عندما نقرر ألا نكون مستهلكين لحياة رخيصة ورتبية وفاقدة المعنى فإننا نقرأ لنكون منتجين للفهم والوعي والمعرفة، ومن ثم المشاركة في بناء معنى لحياتنا.
نعم لقمة العيش والحياة الكريمة لها الأولوية لكن ألا نسأل أنفسنا ونحن ندرك أن الكائنات الحية الأخرى حياتها هي الغذاء والتناسل فقط، فهل نحن مثلها؟ الفارق هو أننا كائنات عاقلة ويكون السؤال ما غذاء هذه العقول؟ والإجابة المعرفة، لكن من أين تأتي المعرفة؟ أول مصادرها وأهمها القراءة ثم الحوار مع ما قرأناه، ومن بعد مع الآخرين لتبادل الفهم والرؤى.
منذ زمن بعيد قال (المتنبي): وخير جليس في الزمان كتاب وفي العصر الحديث قال (أحمد شوقي): أنا من بدلت بالكتب الصحابا لم أجد وافياً إلا الكتابا. والسؤال من قرأ أصلاً (للمتنبي) و(شوقي) وغيرهم، نعم نعرف الأسماء لكن لم نقرأهم بالصورة اللازمة.
حتى الهروب من حياة المعاناة اليومية تطرح القراءة ذاتها كبديل للمرض النفسي ، وكما قال (دوستويفسكي) باستثناء القراءة ما كان لي من مهرب آخر استطيع اللجوء إليه، وكما قال (إميل سيوران) أقرأ طوال الليل والنهار ، التهم الكتب – تلك الحبوب المنومة- لا لتعرف، إنما لتنسي وأخيراً القراءة بالفعل علاج نفسي يعرف “بالبيليوثيرابيا” وهي استخدام أدبي موجه (كتب، قصص، أشعار) لتحسين الصحة النفسية وعلاج الاكتئاب.
وتخلق القراءة عالماً متجدداً باستمرار وفقاً لمعططيات الحياة المتغيرة، وهذا ما يعبر عنه المبدع سيد حجاب في رسالته إلى أحمد شوقي: أمير الشعراء عفواً واعتذاراً لشعرك فيه أجريت انقلابا وما نيل المطالب بالطيابة، دي مش دنيا شوقي بية دي غابة.









