
أكدت الدكتورة إسراء عصام أن حصولها على الدكتوراة فى تخصص صعب نسبيًا وهو «الجيومورفولوجيا الحضرية» يهدف إلى دراسة المدينة وعلاقتها بخصائص الأرض التى نشأت فوقها وكيف يؤثر العمران ويُغير من ملامح الأرض، وملاحظة الطريقة التى ينظر بها الإنسان إلى مدينته فهى دراسة الجغرافيا والإنسان وسلوكه البشرى فى دراستها تعلمت المزج بين الطبيعة والإنسان وفهمت أنه لا يجوز دراسة الطبيعة بمنأى عن الإنسان أو العكس.
قالت إن كتابها بعنوان السينما والمجتمع الإيرانى تجربة إنسانية تجاه المجتمع وأنها معجبة بالسينما الإيرانية بما تحمله من حساسية فنية عالية وتناولها لتفاصيل الحياة اليومية.
أضافت أن معرض القاهرة للكتاب مساحة جميلة للقاء الصديقات والكتاب والاحتفاء بانجازاتهم الفكرية واختيار الأديب العالمى نجيب محفوظ شخصية المعرض لم يأت من فراغ فهو من الأدباء الروحيين الذين شكلوا علاقتى برمزية المكان.. وإليك تفاصيل الحوار:
>> دراستك عن الجيومورفولوجيا وأعمالك عن الإنسان مثل كتاب «أزمة العقل الاجتماعى وسيكولوجيا المجتمع» هل لها علاقة بين المسارين؟
> جاء كتابى كنتاج لفكرى الجغرافى وقد حاولت فى المقام الأول من خلالهما الربط بين الإنسان والمكان، وفهم العلاقة بينهما، وفهم العلاقات بين البشر وبيئاتهم، تلك العلاقات التى يتولد عنها فى النهاية تأثير مباشر على البُنى الاجتماعية والثقافية دائمًا أرى أن كل العلاقات الاجتماعية والثقافية لا يمكن فهمها أو تحليلها إلا من خلال سياقها المكاني، ولا يمكن فهم التحولات الأرضية والمورفولوجية التى يمر بها المكان بسبب البشر إلأ من خلال فهم سلوك أولئك البشر وكيف يتفاعلون ويتعاملون مع بيئتهم.. فالإنسان يتقدم من الخطر الطبيعى أكثر مما يتقدم الخطر نحوه. وهو يذهب لمد العمران فوق مجارى السيول أو بجوار المنحدرات الصخرية الطبيعية بدلًا من ان يختار مواضع صالحة للبناء والتعمير. فهم السلوك البشرى وتنميته وتطويره وتأهيله وتثقيفه هو السبيل الأهم للتنمية الجغرافية والتطوير، ويمكن للدول أن تبنى ماتبنى وتُنمى ما تنميه، ولكن إن بقى فكر ناسها على حاله.. فكل تنمية بعد هذا لا قيمة لها.
>> قدمت كتاب «السينما والمجتمع الإيرانى» كيف جاءت فكرة الكتاب؟
جاءت فكرة كتاب السينما والمجتمع الإيرانى من فضول معرفى قديم عندى تجاه المجتمع الإيرانى كان هذا المجتمع بالنسبة لى بعيدًا، غامضًا، ومُلتبس الصورة.
بسبب هذا الغموض ولأن الجغرافى بطبيعته يخجل عن الحديث عن موقع أو موضع ما لم يزره أو يشاهده عن قرب؛ لجأتُ إلى السينما بوصفها وسيطًا إنسانيًا وثقافيًا قادرًا على النفاذ إلى ما هو أعمق من الخطاب السياسى والإعلامى فالسينما الإيرانية، بما تحمله من حساسية فنية عالية ورمزية قدّمت لى تشريحًا كافيًا ووافيًا للمجتمع من الداخل، ولا أتعامل فى العموم مع السينما – أى سينما باختلاف منشئها – بوصفها فنًا جماليًا فقط، بل باعتبارها وثيقة اجتماعية وثقافية.
ويمكن القول إن الكتاب جاء كمحاولة لفهم الإنسان الإيرانى عبر السينما، لا لفهم السياسة عبر المجتمع؛ لأننى أؤمن بأن معرفة المجتمعات تبدأ دائمًا من الإنسان، ومن أدواته فى التعبير عن ذاته، والسينما كانت بالنسبة لى إحدى أكثر هذه الأدوات صدقًا وعمقًا.
>> وفى رأيك ما الذى جعل السينما الإيرانية ذات تجربة خاصة؟
> السينما الإيرانية هى سينما إنسانية فى المقام الأول. فهى سينما تُنصت للأطفال، والنساء، والفقراء، وسكان الأطراف والهوامش، وأقليات المجتمع الإيراني، وهى تُعلى فى خضم كل هذا التناول من شأن التفاصيل البسيطة للحياة اليومية. فهى لا تبحث عن بطولات فنية خارقة ولا نجوم شباك؛ وإنما هدفها هو الإنسان، فى ضعفه وحيرته واختياراته الصغيرة.
>> كتابك الجديد فى معرض هذا العام « الأمازيغ والبجا فى مصر حكايات الهوية والفولكور» حدثينا عن الكتاب وسر اختيارك لهذه الفئة فى مصر؟
> يحاول كتاب الأمازيغ والبجا فى مصر، أن يسلّط الضوء على الجماعات الثقافية المصرية الأصيلة، التى كثيرًا ما ننساها رغم ثقل مكونها وثقافتها، لنتعامل فى الأخير مع ثقافة مصر على أنها ثقافة محدودة مختزلة فى عاصمة أولى وثانية وبعض مدن ومحافظات الوجه البحرى والقبلي. إن اختيارى لهاتين الجماعتين تحديدًا انطلاقًا من إيمانى بأن فهم المجتمع المصرى لا يكتمل من خلال المركز وحده، بل بمعرفة الأطراف والهوامش الحدودية، والاستماع إلى التجارب الإنسانية التى تعيش فى تماس مباشر مع الجغرافيا، وتحمل خصوصيات لغوية وثقافية وفولكلورية غنية فالأمازيغ فى واحة سيوة، والبجا فى جنوب شرق مصر، يمثلون نموذجين واضحين لعلاقة الإنسان بالمكان، وكيف تُنتج البيئة الصحراوية أو الساحلية الصحراوية أنماطًا مميزة من العيش، والتقاليد، والمعتقدات، والفنون الشعبية.
>> هل يجمع الكتاب تراث سكان واحة سيوة؟
> نعم يقدم الكتاب تراث كل من المجتمعين، فهو قائم على الإنصات للصوت المحلى للناس فى تلك المجتمعات، كان هدفى إعادة الاعتبار للتنوع الثقافى داخل الدولة الوطنية المصرية، بوصفه مصدر ثراء، وبوصفه جزءًا أصيلًا من فكرة مصر المتعددة. اهتممتُ بسرد الفولكلورفى كل منهما باعتباره وعاءً للذاكرة الجمعية؛ فى الأغاني، والرقصات، والطقوس، والحكايات الشعبية، والملابس، وأنماط الاحتفال .
>> هل تحتاج الكتابة فى هذه الموضوعات بحثآً ميدانياً؟
> نعم، تحتاج الكتابة فى هذه الموضوعات إلى بحث ميداني. فالجغرافي، بطبيعته، يستحى أن يكتب عن مجتمع لم يره أو يلامسه..غير أن الخلفية الجغرافية قد تتيح له، فى بعض الحالات، الكتابة حتى وإن لم يزر المكان فعليًا؛ وذلك بحكم دراسته الطبيعية والبشرية لأرض مصر، ومعرفته بسياقات المكان البيئية والاجتماعية.
ومع ذلك، تبقى الدراسة الميدانية دائمًا وسيلتنا الأساسية للرؤية، والإنصات، والاندماج مع الآخر لكن العمل الميدانى لا يعنى بالضرورة الاحتكاك المباشر والدائم مع المكان نفسه؛ فقد يكون الميدان أحيانًا عن بُعد، من خلال نماذج الاستبيان، أو عبر الحديث مع أفراد من المجتمعات شديدة الخصوصية، كما فى حالة مجتمع البجا.
>> رأيك فى معرض الكتاب هذا العام، وعن اختيار نجيب محفوظ شخصية المعرض؟
> معرض القاهرة الدولى للكتاب هو بالنسبة لى مساحة جميلة لملاقاة الصديقات والكُتّاب، والاحتفاء بإنجازاتهم الفكرية والأدبية، وفرحة رؤية إصداراتي.
أما نجيب محفوظ هو من الأدباء الروحيين بالنسبة لى فى الكتابة، ومن الأصوات التى شكّلت علاقتى بالمكان، إلى جانب الأستاذ إبراهيم عبد المجيد. فهو فى رأيي، أهم صوت من أصوات المكان فى مصر. كان المكان عند محفوظ مسرحًا وذاكرة، سرد فيه العادات والتقاليد والفلكلور الشعبى وحكايات العمران ورمزيته وتبدلاته بين العقود. مسرحٌ لا يقبع بمعزل عن جمهوره، ولا عن الإنسان الذى يمثل فيه العامل المحرك للأحداث؛ بل إن الإنسان عند محفوظ يشارك المسرح عرضه وسرده وتشخيصه، فيصبح الشاهد والمشاهد والممثّل فى آنٍ واحد داخل النصّ الروائى والسينمائى معًا. ورغم هذه القيمة أتمنى كذلك أن يتم مستقبلًا الاحتفاء بأدباء على قيد الحياة ذوى أثر وقيمة، لا أن ننتظر رحيلهم لكى نحتفى بهم.









